الأناضول

في خطوة إنسانية وتضامنية قلّ نظيرها، بادرت شابة تركية إلى افتتاح مقهى في ولاية قيصري وسط تركيا، وتوظيف شباب مصابين بـ"متلازمة داون"، بهدف تسليط الضوء على براءتهم وقدرتهم على الإنتاج والعمل.

قبل نحو عامين افتتحت خريجة كلية الخدمات الاجتماعية "زينب أيان"، ذات الاثنين وثلاثين عامًا، مقهى "داون" الذي كانت تحلم به حين كانت متدربة جامعية تختلط مع أطفال مصابين بالمتلازمة المذكورة.

قررت الشابة التركية افتتاح المقهى بعدما تأثّرت بلطافة وبراءة هؤلاء الأطفال الذين أرادت توظيفهم ودمجهم في الحياة الاجتماعية مع بقية المواطنين لعلها تكون قدوة إنسانية تنتشر على نطاق أوسع في البلاد.

ويعمل في المقهى حاليًا ثلاثة من الشباب المصابين بمتلازمة داون، وتخطط "زينب أيان" لزيادة عددهم خلال المرحلة المقبلة، لدعمهم بإمكاناتها الخاصة والمحدودة والمساهمة في تأقلمهم مع المجتمع. ومرض "متلازمة داون"، يولد به الطفل، ويتمثل في ضعف القدرات الذهنية والنمو البدني، وشكل مختلف للوجه.

وخلال حديثها للأناضول، قالت "أيان" إن في عموم تركيا مبادرات شبيهة لما قامت به في قيصري إلا أنها تُدار ضمن إطار مشاريع تدعمها المؤسسات الحكومية أو الأوقاف والجمعيات العامة والخاصة.

وأكّدت صاحبة المشروع اهتمامها بالناحية المعنوية أكثر من المادية منذ افتتاحها مقهى "داون"، معربة عن رغبتها في المساهمة باندماج وتكامل هؤلاء الأطفال مع المجتمع وجعلهم أفراد يفيدون ويستفيدون في البلاد، بحسب قولها.

وأشارت "أيان" إلى عزمها إزالة التصور السيء الموجود لدى أذهان معظم الناس في تركيا والعالم، تجاه المصابين بمتلازمة داون، وإظهار براءتهم وقدرتهم على المساهمة في العمل والإنتاج كبقية الأفراد العاديين دون أي فرق.

وتابعت الشابة التركية حديثها بالقول "كنت أهتم بهؤلاء الأطفال دائمًا لذلك أردت تغيير نظرة المجتمع تجاههم، لأن الغالبية تخاف منهم وتعتقد أنهم يشكلون خطرًا عليها، وهذا أمر مخالف للحقيقة، وأنا اكتشفت ذلك بنفسي خلال فترة التدريب الجامعي".

وأوضحت أنها بذلت جهدًا كبيرًا لإقناع عائلات الشباب العاملين معها في المقهى، لافتة إلى "وجود حكم مسبق لدى معظم المواطنين والعائلات وهو أن هؤلاء الأطفال والأشخاص غير قادرين على العمل، لذلك جاءت فكرتي لإدماجهم في سوق العمل لتغيير الصورة تلك الصورة النمطية التي لا تمت للحقيقة والواقع بصلة".

اقتراح "أيان" لم يلقَ قبول العائلات في البداية، إلا أنها استطاعت في وقت لاحق إقناع الآباء والأمهات بالقول إن "هؤلاء الأطفال لن يعملوا في المقهى وإنما سيتواجدون فيها مثلي، لأن صنع الشاي والقهوة لا يتطلب جهدًا كبيرًا وهم يقومون بذلك في المنزل أيضًا".

وبالفعل أسعدت خطوة الشابة التركية تلك العائلات وكسرت حاجز الخوف الذي كان لديها تجاه أطفالها المصابين بمتلازمة داون، الأمر الذي دفع "أيان" إلى السعي لنشر فكرتها على نطاق أوسع وزيادة مستوى تكامل هؤلاء الأطفال مع المجتمع.

تزيد "أيان" عدد موظفيها من أصحاب متلازمة داون بحسب الازدحام والفعاليات التي تُقام في المقهى، وحين تكون هناك فعاليات كبيرة تتركهم يستمتعون ويتشاورون مع الناس وتستدعي موظفيين عاديين للعمل بدلا منهم.

وبحسب "أيان"، فإن "هناك تغيّر إيجابي كبير وملحوظ لدى الأطفال العاملين لديها، حيث باتوا يتكلمون بشكل أوضح مما كانوا عليه خلال الأيام الأولى، وأصبحوا يتصرفون بشكل مختلف للغاية خلال تعاملهم مع الناس".

وتحظى الشابة التركية في الوقت الراهن بدعم من العائلات قيصري، بل وبات لها شركاء في تشغيل المقهى لتخفيف التكاليف المادية التي كانت تغطيها بمفردها، بات لدى الجميع في تلك الولاية رغبة في رؤية الأطفال والمساهمة في تكاملهم وتطوير قدراتهم.

"جول هانم جانقايا"، هي واحدة من الموظفين الثلاثة المصابين بمتلازمة داون في المقهى، وباتت اليوم قادرة على العمل بسهولة ودون مشاكل بفضل "زينب أيان" وبقية العائلات والمواطنين المساهمين.

وقالت الشابة "جانقايا" البالغة من العمر ستة وعشرين عامًا، للأناضول، إنها تحب عملها جدًا وتتعاون مع بقية أصدقائها في المقهى من أجل طهي الشاي والقهوة، وغيرهما من الخبز والمأكولات الخفيفة.

من جانبها، أشارت الشابة المصابة بمتلازمة الداون "غمزة دومان"، ذات التسعة وعشرين عامًا، إلى أن عملها في المقهى مع "أيان" وأصدقائها الآخرين، هو أول تجربة فعلية بالنسبة لها خارج المنزل.

وحثّت "دومان"، خلال حديثها للأناضول، جميع المصابين بمتلازمة داون حول العالم إلى الخروج من منازلهم والإنخراط في المجتمع.

أمّا الشاب "إبراهيم جانسو"، ذو الخمسة وعشرين عامًا، ثالث المصابين بالمتلازمة المذكورة، ويعمل بذات المقهى، فلفت أنظار الجميع بالأناقة واللطافة التي يتمتّز بها في حياته اليومية.

وقال "جانسو"، للأناضول، إنه سعيد جدًا بالعمل في مقهى "داون"، معبّرًا عن حبه الكبير للشابة "زينب أيان" وبقية أفراد فريق العمل.

وأضاف: "أبدأ العمل ظهرًا وأغادر المقهى في المساء، وأستمتع جدًا مع الزبائن، وأحيانًا يزورنا أطفال مصابون بنفس المرض.. إنني أشكر السيدة زينب حيال دعمها ومنحنا هذه الفرصة".

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!