صالحة علام - الجزيرة نت

حالة من الترقّب والقلق العميق، تسيطر على أجواء الحملات الدعائية لأحزاب المعارضة التركيّة مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المنتظرة في الواحد والثلاثين من مارس/ آذار المقبل.

يتمحور هذا القلق بصورة خاصة حول الترتيبات والتفاهمات التي تتم سرًا وعلانية بشأن بلدية إسطنبول الكبرى، تحديدًا، وكأنها معركة منفصلة تمامًا عن معركة الانتخابات المحلية، عمومًا، وعما يجري من اتفاقيات تخصّ باقي البلديات الثمانين الأخرى.

قلق وخوف

رغم أهمية العديد من المحافظات التركية الكبرى كأنقرة- بصفتها العاصمة السياسية والإدارية للبلاد، إلى جانب أضنة، وإزمير، وأنطاليا، والتي عادة ما تشتد المنافسة بين الأحزاب التركية بشأنها؛ لأسباب تاريخية وسياسية- فإن معظم الجهد المبذول حاليًا من جانب قادة الأحزاب يتمحور حول إسطنبول، تحديدًا.

وهو أمر لا يرتبط بصيغ الترتيبات والاتفاقيات التي يسعى كل حزب لعقدها؛ أملًا في تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، والسيطرة على عدد من البلديات يفوق ما سبق تحقيقه في انتخابات 2019، ضمن "تحالف الأمة"، الذي انفرط عِقده عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة.

ويبدو أنّ سبب القلق يعود إلى حقيقة أن نجاح أحزاب المعارضة في انتخابات 2019؛ كان بفضل تحالفها، حيث استطاعت الفوز بالعديد من المدن الكبرى، وإبعاد حزب العدالة والتنمية عن رئاستها.

ومع انفراط عقد "تحالف الأمة"، وإعلان معظم قادة أحزاب المعارضة خوض الانتخابات المحلية، هذه المرة منفردين، وتفضيلهم صيغة التعاون على صيغة التحالف، تبدو حظوظهم أدنى بكثير مما كانت عليه من قبل، مما يعني أن خسارتهم إسطنبول تلوح في الأفق.

إهمال المسؤوليات

حزب "الشعب الجمهوري" أكبر أحزاب المعارضة- الذي يتولى حاليًا رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، التي يديرها أكرم إمام أوغلو- أعلن عن نيته إعادة ترشيح الرجل مرَّة أخرى لخوض هذه الانتخابات مجددًا، وذلك في إطار المصالح المتبادلة بين الرئيس الجديد للحزب أوزغور أوزال، وإمام أوغلو.

إذ أثمر التعاون القائم بينهما- أثناء انتخابات رئاسة الحزب- عن الإطاحة بكمال كليجدار أوغلو الرئيس السابق، وفوز أوزال، الأمر الذي ضمن لإمام أوغلو ترشيحه لانتخابات بلدية إسطنبول، رغم ما يمثله هذا الاختيار من مجازفة حقيقية في معركة تبدو الأكثر شراسة مع زيادة حجم الانتقادات التي وجهت له خلال فترة رئاسته من جانب سكان المدينة، الذين عانوا الأمرَّين من تخبط قراراته، وغيابه في أوقات الأزمات، وعدم شعوره بالمسؤولية، وضبابية موقفه مما عليه من واجبات.

وهو ما كان أحد الأسباب التي دفعت كليجدار أوغلو إلى التفكير في إبعاده عن الانتخابات المقبلة.

أما حزب "الجيد" برئاسة ميرال أكشينار، فأعلن عن نيته الدفع بمرشحين من أعضائه البارزين لخوض الانتخابات في أهم المدن الكبرى، وفي مقدمتها بالقطع كل من: إسطنبول، وأنقرة، وإزمير، ورفض دعوات "الشعب الجمهوري" للتعاون فيها، ضاربًا عرض الحائط بالتحذيرات التي أطلقها العديد من أعضاء هيئته العليا.

وهو الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لبدء مرحلة جديدة من سيل الاستقالات التي طالت هذه المرّة نوابًا ومساعدين لرئيسة الحزب؛ اعتراضًا على انفرادها بالقرار، وتجاهلها مخاوف وآراء باقي القيادات، التي ترى صعوبة تحقيق قوائم الحزب أيَّ انتصارات حال دخوله الانتخابات المحلية منفردًا.

معركة إسطنبول

حزب "العدالة والتنمية" وشريكه في الحكم "الحركة القومية"، كثّفا استعداداتهما مبكرًا لمعركة استعادة إسطنبول من حزب "الشعب الجمهوري"، كما سبق أن وعد الرئيس أردوغان عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية مايو/ أيار الماضي، فقد وضعا قائمة تضم عددًا من الأسماء المرشحة لخوض الاستحقاق الانتخابي لاختيار المرشّح الذي سيتم الدفع به في معركة استعادة المدينة مجددًا.

ورغم تحديد "تحالف الجمهور" -الذي يضمّ العدالة والتنمية والحركة القومية -تاريخ الخامس عشر من يناير/ كانون الثاني المقبل موعدًا للإعلان عن قائمة أسماء مرشّحيه المنتظرين، فإن هناك بعض الأسماء التي يتم تداولها في وسائل الإعلام، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارهم الأوفر حظًا لخوض هذا السباق الانتخابي.

وجوه شابة

من أبرز هذه الأسماء فخر الدين خوجة، وزير الصحة، الرجل الذي بذل جهدًا خارقًا خلال وباء كورونا، وكان مثالًا يحتذى لما يجب أن يكون عليه المسؤول، خاصةً في أوقات الأزمات والكوارث، الأمر الذي أهّله للاحتفاظ بمنصبه بعد الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة.

وسلجوق أوزدمير بيرقدار أوغلو، مهندس منظومة المسيرات التركية التي أصبحت حديث العالم، وصهر الرئيس أردوغان، وهو أبرز الوجوه الشابة على الساحة السياسية التركية، يتمتع بشخصية قيادية، وذكاء متقد، ومكانة مقدرة في الشارع التركي، وله العديد من المواقف الوطنية التي تؤهله لخوض هذه المعركة والخروج منتصرًا فيها.

إلى جانب كل من: سليمان صويلو، وزير الداخلية السابق، وعضو البرلمان الحالي الذي يتمتع بشعبية واسعة، ومراد كوروم، وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي السابق، وإن كان هناك من يرى أن أردوغان سوف يعلن عن مفاجأة غير متوقعة بشأن فارس معركة إسطنبول المنتظر، خلافًا لهذه التوقعات.

صراع تاريخي

لا يبدو أنّ اهتمام الأحزاب التركية بإسطنبول يرتكز فقط على مقولة؛ "إن من يحكم إسطنبول يحكم تركيا" التي سبق أن أطلقها أردوغان وطبقها فعليًا، بل المسألة تتخطى هذا الأمر، وإن كان ذلك صحيحًا دون شك.

لكن الصراع القائم بين الأحزاب التركية، والمنافسة المحتدمة الواضحة بشأن من سيكون له الكلمة العليا، ويفرض سيطرته على المدينة التاريخية، خصوصًا بين حزبَي "الشعب الجمهوري" و"العدالة والتنمية"، لا يمكن حصره فقط في هذه المقولة التي أصبحت شائعة بين السياسيين.

إذ من الواضح أن الأمر يصبّ في خانة الصراع التاريخي التقليدي بين التيارَين: العلماني والإسلامي، الذي اندلع مع إعلان انتهاء حقبة الإمبراطورية العثمانية، وبدء مرحلة الجمهورية التركية، وهو ما أدى إلى تغيير عاصمة البلاد من إسطنبول إلى أنقرة.

وهو الصراع الذي شهد تصاعدًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، وبدا تأثيره واضحًا في الاستحقاقات الانتخابية التي تم إجراؤُها مؤخرًا، وبدأت بوادره تعاود الظهور مجددًا مع الحملات الانتخابية المحلية الحالية.

هوية غربية

التيار العلماني يريد استمرار فرض سيطرته على المدينة؛ لاستكمال مخططه الرامي للعودة بها إلى المظهر الغربي الأوروبي، الذي يتوافق مع رؤية مصطفى كمال أتاتورك لها، وإزالة كافة المظاهر الإسلامية التي أصبحت تمثل واجهتها، وهو ما بدا واضحًا في الاحتفالات التي تقيمها بلديتها تحت حكم أكرم إمام أوغلو.

فقد تعمد إذاعة القرآن الكريم باللغة التركية في أحد الاحتفالات، وعمل على إزالة كافة اللوحات الدعائية المكتوبة باللغة العربية؛ متجاهلًا تمامًا تلك المدونة باللغات الأجنبية الأخرى كالفرنسية، والإنجليزية، والروسية، وحتى اليونانية، إضافة إلى الوعود التي تم إطلاقها خلال الحملات الانتخابية الرئاسية والبرلمانية الأخيرة حول نيّة إعادة مسجد آيا صوفيا متحفًا مرة أخرى.

وهو التوجّه الذي شجّع المتعصبين لفكر أتاتورك على مهاجمة عدد من المحجبات في محاولة لنزع حجابهنّ في الشوارع، كما تمت مهاجمة بعض المنتمين للتيار الإسلامي في وسائل النقل العام.

بينما ينظر التيار الإسلامي إلى إسطنبول بصفتها درة تاج الخلافة الإسلامية، ورمز أمجاد وانتصارات الإمبراطورية العثمانية التي يتوقون إلى استعادتها مرة أخرى، وهو ما وعدهم به حزب "العدالة والتنمية"، ضمن مشروعه السياسي، الذي يعمل بكل جدية لوضعه موضع التنفيذ.

خطوات حاسمة

وفي هذا الإطار اتخذ الحزب عدة خطوات، أكدت عزمه على استكمال مسيرته، فقد استعاد الهُوية الإسلامية للدولة التركية بعد عقود من الاغتراب وفقدان الذات، وأعاد آيا صوفيا مسجدًا مرة أخرى، وقام ببناء مسجد ضخم في قلب ميدان تقسيم رمز العلمانية الأتاتوركية وأبرز معاقلها، إلى جانب حرصه على الاحتفاء بالمناسبات والأعياد الإسلامية.

لذا، فإنَّ استعادة سيطرته على المدينة التاريخية، تعني في نظر قاعدته الشعبية اتخاذ الخطوة الحاسمة التي ينتظرونها بفارغ صبر، وهي المرتبطة بصياغة دستور جديد للبلاد، يمنح النساء الحق في ارتداء الحجاب ويمنع تجريمه، وإزالة المادة الدستورية التي تنصّ على أن أنقرة هي العاصمة الأبدية للجمهورية التركية؛ حتى يمكن إعادة إسطنبول مجددًا إلى مكانتها كعاصمة للبلاد.

فهل تصدق استطلاعات الرأي العام التي تؤكد تفوق العدالة والتنمية على باقي الأحزاب التركية في توجهات التصويت بالانتخابات المحلية في إسطنبول بحوالي 49% مقابل 42% لأقرب منافسيه؛ وهو "الشعب الجمهوري"، وتشهد تركيا مرحلة جديدة من مراحل استعادة هُويتها الإسلامية، في ظل انقسام المعارضة إلى أربع جبهات؟!

عن الكاتب

صالحة علام

كاتبة وصحفية مصرية مقيمة في تركيا


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس