برهان الدين دوران - صحيفة صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

بدأت منذ منتصف ليلة أمس هدنة وقف إطلاق نار في عموم سوريا، برعاية وضمان روسي تركي، وإعلان وقف إطلاق النار هذا يختلف عما سبقه، كونه يأتي بضمان دولتين مثل روسيا وتركيا، وهما يمثلان طرفي الصراع، النظام والمعارضة، ويشمل اعلان وقف اطلاق النار ما يقارب 60 ألف مُعارض.

من خلال هذا الاتفاق، ستتوقف جهود التوسع على الأرض، وستتوقف الهجمات الجوية، ويُستثنى من ذلك المنظمات المدرجة على قائمة الأمم المتحدة للمنظمات الإرهابية، بمعنى أن وقف إطلاق النار لا يشمل داعش والنصرة.

ستستمر تركيا في توجيه ضربات لحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، وستعمل كلا من روسيا وتركيا على متابعة مدى الالتزام بوقف إطلاق النار، وسيكون هناك خطأ أحمر لا يُمكن تجاوزه. وفي الآن ذاته ستتوجه الأطراف إلى عاصمة كازخستان، إلى أستانة من أجل بدء المفاوضات بين النظام والمعارضة.

تُعتبر "مفاوضات أستانة" نتاج لنجاح أردوغان وبوتين في تطبيع العلاقات الروسية التركية، وقد استطاعت أنقرة من خلال ذلك إخلاء المدنيين من حلب، واليوم بدأت عملية سياسية في عموم سوريا، وفيها بصيص من الأمل.

من الممكن تحقيق ديمومة وقف إطلاق النار، ونجاح العملية السياسية من خلال إرادة أردوغان وبوتين السياسية، كما أنه من المهم توحد قوى المعارضة المسلحة المتواجدة على الأرض، من أجل تشكيل وفد سياسي يمثلهم، وهي فرصة لتتوحد فصائل المعارضة.

ولا بد من الإشارة إلى أنّ محافظة قوى المعارضة على نفسها، دون دخولها إلى قائمة الإرهاب، وبقاء وصف "النظام" يُطلق على نظام الأسد، يُعتبر نجاحا من نجاحات أنقرة الدبلوماسية.

والبُعد الآخر الهام لوقف إطلاق النار، هو أنه في عموم سوريا، وهذا يعني حماية المعارضة في ادلب وشرق الغوطة.

لا شك أنّ عملية وقف إطلاق النار ستكون هشة، وروسيا بحاجة إلى أنْ تضمن حراك إيران وحراك دمشق خلال هذه العملية، كما يتوجب على أنقرة توحيد قوى المعارضة تحت سقف الجيش السوري الحر، وهذا الأمر ليس سهلا على الطرفين.

وهنا يجب المحافظة على تماسك قوى المعارضة، وعدم السماح لإيران ومؤيدي الأسد أنْ يستغلوا أي ثغرة، ومن ذلك ضرورة بقاء جميع العسكريين تحت لواء الجيش السوري الحر، وعدم انحرافها إلى النصرة، ولذلك يجب أنْ ترتبط "أحرار الشام" بالجيش السوري الحر.

بقيت العواصم الغربية خارج هذا الاتفاق، برغم أنها أكد على اتفاقية جنيف وعلى قرارات مجلس الأمن، وسيكون موضوع الدور الأمريكي ووحدات حماية الشعب هو الأبرز خلال "عملية أستانة" السياسية. وذلك كون أمريكا التي لم يتم دعوتها إلى هذه العملية السياسية، لا تملك حاليا أي تأثير سوى ربما عن طريق السعودية وقطر أو بعض مجموعات المعارضة، ولذلك كانت وحدات حماية الشعب هي العنصر الأبرز بيد أمريكا في الساحة السورية.

وهذا ما جعلنا نشاهد حجم التسليح الذي حصل لوحدات حماية الشعب خلال الأسبوع الأخير، والهدف تجهيز الوضع في شمال سوريا، قبل اتفاق روسيا وتركيا، من أجل أن تسيطر وحدات حماية الشعب هناك. ومن دلائل التحولات استخدام وحدات حماية الشعب لمصطلح "شمال سوريا" بدلا من "روجافا".

يجب على إدارة الحُكم الجديدة في أمريكا، أن تعيد النظر فيما يجري الآن خلال الفترة الانتقالية بين نظام أوباما وترامب، خصوصا وأنّ الأول يعمل بصورة متسارعة لتسليح وحدات حماية الشعب، بينما يسعى ترامب إلى إعادة كسب ود تركيا، مما يجعل الحمل ثقيلا عليه.

وهذا هو السبب الذي جعل أردوغان يحتج على "حلف شمال الأطلسي"، ومصطلح أنّ أمريكا دولة "حليفة"، وهي في الآن ذاته لا تساعد تركيا في حراكها العسكري في منطقة الباب، بل تقدم كل الدعم العسكري لوحدات حماية الشعب، وفي ذلك أيضا رسائل لترامب من أجل أن يعيد حسابات الموقف الأمريكي من جديد.

ستبرز الآن عملية مكافحة الإرهاب داخل سوريا بعد وقف إطلاق النار، وستعمل جميع الأطراف على مواجهة أكثر فعالية لتنظيم داعش، وهنا يبقى موضوع النصرة حساسا، ويجب أن تشارك قطر والسعودية في عملية السلام في أستانة، حتى نضمن تحقيق السلام في عموم سوريا.

عن الكاتب

برهان الدين دوران

مدير مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية "سيتا" في أنقرة


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس