نعيمة صادقي - خاص ترك برس

إن المستوى الإقليمي هو أعقد نسق يمكن دراسته ويُستعصى تفكيك تفاعلاته ومرد ذلك أنه نقطة تداخل وتشابك بين مخرجات النسق الوطني وبين تعقيدات النسق الدولي اللامجالية والمتحولة، علاوةً على أنَه مرهون بسلوكيات القوى العظمى والفاعلة فيه. وقد ظل الحيَز الجغرافي الذي تقع فيه تركيا وهي تتوسط قارتي آسيا وأوربا نقطة ارتكاز للحضارات والإمبراطوريات التاريخية التي اندثرت. ويقول ماكندر في هذا الصدد: "من يهيمن على أوروبا الشرقية، يتحكم في مركز الأرض ومن يتحكم في مركز الأرض، يتحكم في جزيرة العالم (أوراسيا)، ومن يهيمن على جزيرة العالم، يتحكم في العالم".

أولا: طبيعة الصراع

إن الحروب والصراعات تدور في عقول القادة قبل أن تحدث في الميدان، عادة ما تبدأ كصراعات نفسية تدور في تخمينات القائد تشوبها مشاعر الخوف من المستقبل وهواجس المكانة والمكاسب، غير أن الحروب الكلاوزفتزية (التي أساسها الأطماع الاقتصادية) كانت مباشرة وتقليدية وأطرافها دول، لكن تركيا تخوض حربا شعواء ضد الإرهاب الإقليمي الذي عشش وتكاثر على حدودها، والذي يخوض حربا بالوكالة في المنطقة ويسعى للتفريخ داخل البيت التركي. لذلك أطلقت تركيا عملية نبع السلام بتاريخ 16 تشرين الأول/ اكتوبر 2019 وهي عملية برية لإقامة منطقة آمنة على عمق من 30 إلى 35 كم جنوب تركيا بمساحة 5000 كلم شمال سوريا، وهي بذلك لا تستهدف المدنيين الأكراد ولا العرب في شمال سوريا، وإنما تستهدف الـPYD وPKK الإرهابيتين. وقد أخذت تركيا بعين الاعتبار احترام السيادة السورية ووحدتها من أجل ضمان العودة للمهاجرين السوريين الفارين من جحيم الحرب الداخلية.

ثانيا: أطراف الصراع السيكوبوتي (العدائي)

الحروب التقليدية كانت تُخاض بين أطراف تماثلية أي بين الدول، لكن الحرب التي يدور رحاها في منطقة الفرات شرقا هي حرب غير تماثلية، بين دولة ضد تنظيمات إرهابية مدعومة وفق أجندة إقليمية ودولية.

تركيا: إن تصور أردوغان بخصوص مسألة الأكراد مبني على أنه لا يرى اختلافا بين وحدات "حماية الشعب الكردية" (ي ب ك)، وحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) وبين "داعش" إذ يصنفها على أساس أنها منظمات إرهابية. لذلك انتقلت تركيا في سياستها تجاه "ي ب ك" من القوة اللينة إلى القوة الصلبة، حيث استخدمت الأسلوب السلمي في البداية وبدت متريثة في اتخاذ الخيار العسكري وتجلى ذلك في الآتي ذكره:

⦁ رجحت التدخل ألأممي الشامل.

⦁ الانفتاح الكردي أطلقت الحكومة  هذه المبادرة سنة 2009.

⦁ نشرت قواتها الدفاعية عسكريا على حدودها مع كوباني دون الهجوم.

⦁ أبدت شكوكها بشأن الاهتمام الدولي بعين العرب دون المدن السورية الأخرى.

⦁ منع تفكك سوريا وبروز دولة كردية.

- رفع حالة الطوارئ تدريجيا والسماح للغة الكردية كلغة تعليم وإعلام.

- وضع حد للصراع المسلح: من خلال نزع سلاح وتسريح بي كي كي حيث شجعها الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته تركيا على حل المسألة بطرق سلمية.

- التفاوض مع عبد الله أوجلان وبي كي كي سنة 2011، وتم نقض الهدنة من طرف بي كي كي.

حزب العمال الكردستاني (بي كي كي): يعتبر هذا الحزب الذي له امتدادات وروابط إقليمية (فوق محلية) يمتلك شبكة من العلاقات الوطيدة مع كثير من الدول الإقليمية  إيران- روسيا- النظام السوري، ومنفذ أجندات تلك الدول الداعمة بالنيل من وحدة الأراضي التركية.

نشأ تنظيم "بي كي كي" في مرحلة انتعاش اليسار الماركسي في تركيا ولم يكن غريبا أن يتبنى الحزب توجها استراتيجيا ماركسيا، ولم يكن تأسيسه مجرد تأسيس سياسي وكردي بل بداية مرحلة تعميق الوعي الكردي، ومزيدًا من اكتشاف الأكراد لهويتهم، ولضمان ديمومته كان لا بدّ من دعم، حيث وجد الدعم من الحاضنة الكردية في شمالي العراق التي أفلتت من الحكومة العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، والدعم الإقليمي من الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الذي اتسمت علاقته مع تركيا آنذاك بالتوتر، كما جاء الدعم من الاتحاد السوفياتي- أرمينيا، وكانت دوافع هذه الأخيرة سياسية: خلق صعوبات أمنية لتركيا وإغراقها في الارتباك. سنة 1984 شن بي كي كي حربا شرسة في مناطق ذات أغلبية كردية جنوبي شرقي تركيا ضد قوات الأمن والجيش التركي، وما هو إلا إيذان عن بدء الصراع المسلح ضد الدولة التركية، وبهذا ظهر الحزب كتهديد أمني للأتراك، ومن جهتها اعتبرت تركيا هذه الحزب منطقة إرهابية انفصالية، واعتمدت القوة العسكرية للتعامل مع تمرده في جنوبي الدولة.

ثالثا: الحركيات السببية للتحول في العقيدة العسكرية التركية

هناك تراكمات جعلت العقل القيادي التركي يباشر العمل العسكري نذكر منها:

استنفاذ مفعول السلوك السياسي الدبلوماسي الاقتصادي المالي، تركيا هي شريط أمني حاجز لتدفق أمواج المهاجرين السوريين والعراقيين الفارين من اللاأمن داخل حدودهم الوطنية، والتي انتهجت معهم الأسلوب السلمي الإنساني. لكن لم تعد الأداة المالية والقروض التي تتلقاها تركيا من الإتحاد الأوروبي كافية لاحتواء الشكوك والمخاطر التي أصبحت ذات تركيبة تشابكية، تتداخل الجريمة المنظمة مع الهجرة بكل أشكالها ومع الظاهرة الإرهابية بكل تجلياتها، نسيج متلون من التهديدات المتكاملة التي وجدت تركيا نفسها في الواجهة لأنها الأقرب حدوديا مع هذه التهديدات.

انتهجت تركيا مفهوم الإقليمية "Regionalism" وهو ما أدى إلى إضعاف الدولة الوطنية وعدم قدرتها على المناورة والتكتيك أمام قوة التهديدات الشبكية، إذ أصبحت الحدود التركية منكشفة تشبه الستار ويمكن اختراقها وتجاوزها، كما أن مبدأ صفر مشكلات ورفع تركيا تأشيرة السفر لبعض الدول مع اشتراط للسن جعل الحدود مائعة وشفافة للاختراق.

تخشى القيادة من انتشار العدوى المرضية من جراء تزايد عدد الدول الفاشلة "Failed state" في محيط تركيا كما تزايد النشاط الإرهابي كالفطريات التي تتكاثر بسرعة إذا ما توفرت الشروط.

رابعا: ملامح التحول

تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات الحربية والاستغناء عن السوق الأوروبية لاستيراد الأسلحة، إذ أصبحت بنسبة 80% محلية الصنع، فهي تحتل المرتبة الثالثة عالميا في صناعة الطائرات بدون طيار، إضافة إلى صناعة السفن الحربية، والتطور الحاصل في تحديث وتطوير التقنيات المستخدمة في الحروب الإلكترونية، حيث استخدمت تركيا لأول مرة منظومة "كورال" (Coral) للتشويش الراداري في عملية نبع السلام وهي محلية الصنع وممنوعة من التصدير.

إعادة هيكلة أبنية الجهاز العسكري، حيث أدركت النخب العسكرية أن عهد الانقلابات قد ولَى وهو الذي تسبب في بقاء تركيا متأخرة رغم توفرها على عناصر التقدم، لذلك فضَل الإبقاء على دور يقتصر على المسائل العسكرية فقط، كما بادر الجيش التركي للتصالح مع الذات والتغيير نحو القيم الإسلامية دون استبعاد الماضي العلماني. ولم يعد الجيش هو حامي العلمانية وفق دستور 1982.

وفق حسابات صانع القرار التركي فالهدف من العملية هو وضع حد لنشاط الفصائل الإرهابية وعمليات بي كي كي و"ب ي د"، حيث يريد أردوغان نقل المعركة خارج حدود تركيا ومواجهة جحافل الإرهاب في معقله، قبل أن يزحف خطره وتمتد ارتداداته للداخل التركي، حيث يقول أردوغان في هذا الصدد: "لن ننتظر قدوم الأزمات، وهي تطرق بابنا، لن نقبل الغرق في المستنقع حتى يصل حلوقنا." كمقاربة تحليلية للخطاب فهو تضمن أهداف عملية نبع السلام والتي ترمي إلى إضعاف فكرة قيام كيان مستقل للأكراد.

إن التوترات المرضية الدائرة اليوم في الشرق الأوسط تندرج تحت مسمى الصراع على جغرافيات معلمية الأطر، يريد كل طرف الظَفر بها بدون مقابل على حساب الآخر، وهذه هي التي تنمي وتذكي الخلافات ولذا تحاول تركيا وضع حد لتلك النزاعات من خلال الاتفاق والاستفادة من موارد المنطقة الغنية لكل الدول المحقة في الاستفادة منها.

عن الكاتب

نعيمة صادقي

باحثة دكتوراه منظمات دولية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس