د. مصطفى الستيتي - خاص ترك برس

لا تزال الفترة التي بقيت فيها تونس تحت الإدارة العثمانية يكتنفها كثير من الغُموض وتحتاج إلى كثير من المعلومات لكي نفهمها فهمًا علميّا حقيقيّا بعيدًا عن العاطفة والأهواء. والمُطّلع على تاريخ تونس يشعر وكأنّ الزّمن توقّف خلال هذه المرحلة وذلك بسبب ضعف الاهتمام بهذه المرحلة وغياب الوثائق التي تمكّننا من فهم هذه المرحلة بشكل أفضل. وقد كان هدفنا باستمرار التّنقيب عمّا هو جديد في هذا الخُصوص، واستخراج الوثائق النادرة التي تنير لنا جانبا من تاريخنَا. 

والوثيقة التي بين أيْدينا مأخوذة من الأرشيف العثماني التّابع لرئاسة الجمهورية التّركية في اسطنبول، وهي رسالة مكتوبة باللّغة العربيّة إلى السّلطان عبد الحميد الثاني (حكم 1876 - 1909م)، وهي مَختومة ومُوقعة من قبل 59 من كبار وجهاء تونس وأعيانها هاجروا إلى بنغازي الواقعة في ليبيا اليوم على إثر الاجتياح الفرنسي لتونس في ربيع عام 1881م. وفي الرّسالة تأكيد على ولائهم الكامل للدّولة العثمانية، وتنديدهم بما يرتكبه الفرنسيّون خصوصًا في صفاقس وقابس والقيروان، واعتبار من تعاون مع الفرنسيّين-  بمن في ذلك الوالي محمد الصّادق باشا- خونة للبلاد.  

رفض أصحاب الرّسالة الخنوع للفرنسيّين والقبول بالأمر الواقع بعد غزو الجيوش الفرنسيّة للبلاد التّونسيّة، كما أنّهم لم يعترفوا بالمعاهدة التي وقّعها والي تونس محمد الصادق باي يوم 12 ماي 1881م والتي تقضي بدخول تونس تحت "الحماية" الفرنسيّة. ومن الواضح أن كلمة "الحماية" استخدمت لطمأنة الشّعب التّونسي وإيهامه بأنّ فرنسا جاءت لإنقاذهم وحمايتهم من المخاطر. بيد أنّ هؤلاء الوُجهاء أكّدوا أنهم مُخلصون في الولاء للدّولة العثمانية ولا يعترفون بالوضع الجديد، ويرون أنّهم إنّما يطلبون الحماية منها فقط: "إنّنا في الأصل من أهالي تونس وملحقاتها الذين مازالوا محتمين تحت ظل جناح الدّولة العلية العثمانية أيّدها الله".     

     وقد حمّل أصحاب الرّسالة المسؤوليّة لمن هم في السّلطة وقتئذ، واعتبروا أنّ "الخيانة" هي السّبب في ما حصل للبلاد التّونسيّة، وأن فرنسا لم يكن بوسعها أن تغزو تونس وتستولي عليها بتلك السّهولة لولا فساد الوالي محمد الصادق باشا ووزيره الفاسد مصطفى بن إسماعيل وفاسدين آخرين، فما حصل هو نتيجة طبيعيّة لــ "سُوء تدبير وخيانة بعض الخوّان ممن تولّوا الأُمور علينا لأفكار أساسها مبنيّ على الذلّ والخَبال الذي تأباه طباعنا".   

ظهرت كتابات كثيرة تنتقد موقف الحكومة العثمانيّة من التّدخل الفرنسيّ في البلاد التونسيّة وتلومها على تقاعسها في نجدة البلاد وإنقاذها في الوقت المناسب، وهذا رأي وجيه. بيد أنّ الرّسالة التي بين أيدينا تحمل تفهّما للظّروف التي كانت عليها الدّولة العثمانيّة في تلك المرحلة الصّعبة، فقد كانت تُصارع على أكثر من جبهة، كما أنّها خرجت للتوّ من حرب قاسية (1877م) ضد روسيا القيصريّة، ومُنبت فيها بهزيمة فادحة، وأجبرت على توقيع معاهدة برلين المجحفة، والتي تسببت في خسارتها لمساحات واسعة من الأراضي التّابعة لها.  ومع ذلك فهؤلاء التونسيّون يعذرون الدّولة ويأملون أن يصل المدد من لدنها قريبًا: "نحن نعلم يقينا أنّ دولتنا أيّدها الله لو لم يكن عندها بعض الملاحظات لأدركتنا بما يلزم حسّا وحقيقةً. وأمّا معنَا فهي لم تزل باذلة الجدّ والاجتهاد في إجراء ما تقتضيه الحال ويَحسن به المآل".  

فموقف التّونسيين في هذه الرّسالة هو الرّفض الكامل لكل الاتّفاقيات التي أبرمتها الحكومة التّونسيّة مع الفرنسيّين باسم الحماية، والاستعداد الكامل لبذل المال والنّفس في سبيل حماية الوطن والمال والعرض: "ولا نرضى بكلّ ما أجرته الفرنسيس في تونس من الاتفاقيات التي جرت مع صادق باشا المبنيّة على توهّم وأفكار دُخول التّونسيين تحت حماية وسيادة فرنسا. فكلا والله لم نألُ جهدًا في المدافعات عن أوطاننا أموالاً وأبدانًا".

وهم يعتبرون أن خيانة الوالي محمد الصّادق باشا وتواطئه مع الفرنسيّين هما السّبب الرئيس في تمكنهم من تحقيق أهدافهم في البلاد التونسيّة، وطبعًا إذا كانت الجبهة الدّاخلية ضعيفة والعدو من الدّاخل فمن السّهل أن يسقط البنيان: "لكن لعدم انتظام أحوالنا لم يحصل لنا التّوفيق لأن نكون مظهرًا لقوله جلت قدرته "وأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِن ربَاطِ الخَيْلِ"، فلم تُساعدنا الأقدار بذلك لسُوء نيّة صادق باشا المشار إليه".        

ويعبّر أصحاب الرّسالة عن ألمهم لما حصل في بلادهم من التّعدي على الأعراض والأموال والممتلكات، وقتل وترويع للنّساء والأطفال وإهانة للمواقع الدينيّة "خصوصًا ما صنعه في صفاقس وقابس والقيروان وبعض جهات من قبائل العرب من نهب الأموال وهتك الأعراض إلى غير ذلك". وقد نالت هذه المدن النّصيب الأوفر من التّدمير والتّنكيل بسبب ما أبدته من مقاومة شرسة، فقد تحدثت التّقارير والوثائق عن تدمير كامل لقلاع مدينة صفاقس وضربها بالسّفن من جهة البَحر، واستبسال أهاليها في الدّفاع عنها. كما أنّ وُجهاء صفاقس أيضا وجّهوا رسالة مُستقلة إلى السّلطان عبد الحميد الثاني يطلبون منه النّجدة، وهذه الرّسالة المكتوبة بالعربيّة محفوظة في الأرشيف العثماني.

وينكر أصحاب الرّسالة على فرنسا زعمها بأنّها أمّة التّمدن والحضارة وناشرة الأنوار، والحال أن ما تأتيه من أفعال ومن جرائم يتناقض تمامًا مع ما ترفعه من شعارات ومبادئ "فما نظنّ أنّ هذه الأمور الفظيعة ترضاها أيّة أمّة كانت تدّعي الانتساب إلى التّمدن". ورغم إدراك التّونسيّين لحساسية الوضع في الدّولة العثمانيّة، وتعسّر التحرك سريعًا لإنقاذ البلاد التّونسية من الغزو الفرنسي فإنّه ما يزال يساروهم الأمل في أن تفعل الحكومة العثمانيّة شيئا لصالحهم لأنّه في الحقيقة لا توجد أمامهم خيارات أخرى: "وحيث إنه لا ملجأ ولا مرجع لنا حالاً ومآلاً إلا رحاب الخلافة الإسلامية بَادرنا نحن المهاجرون من التّونسيين إلى ولاية بنغازي مع الجَسارة على تقديم هذا العرض لأعتاب أمير المؤمنين مقيمين به الحجة على جمهورية فرانسا وطالبين من مراحم الدّولة العليّة ومن كل من اتصف بقواعد الإنصاف والعدالة والمدنية أن يُسعفنا بما يلزم لنتخلص من أيادي وظلم الفرنسيس". 

على ضوء هذه الوثيقة يمكننا أن نورد الخلاصات التّالية:

امتدّ الحكم العثماني في تونس لنحو ثلاثة قرون، عرفت فيها تونس فتراتٍ من الصّراع وأخرى من الهدوء والاستقرار، وفترات من الرّخاء وفترات من الضّيق والفقر والمشقّة. وفي الحقيقة حافظت تونس على شيءٍ من الاستقلالية في ما يتعلق بالسّياسة الدّاخليّة، ولم تمارس الحكومة العثمانيّة سلطةً مباشرةً كما كان الشأن في العراق والشّام. وحافظ الشّعب التّونسي على لغته العربيّة، حتى إنّه لما دخل الفرنسيّون عام 1881م كان عدد قليل جدًّا من النّاس يحسنون التكلم بالتركيّة. وربما لهذا السّبب ظلت صورة العثمانيّين إيجابية إلى حدّ كبير في مخيّلة التّونسيين. ولو أن هذه الصّورة سيّئة وسلبيّة لكان النّاس قد فرحوا بقدوم "المخلّص" الفرنسي ولما طلبوا النّجدة من الباب العالي.  

 لم يكن بوسع الدّولة العثمانيّة في عام 1881م فعل شيء ذي بال للتّصدي للغزو الفرنسي للبلاد التّونسيّة، فقد كانت أوضاعها الداخليّة متردّية على جميع المستويات، وقد حدّثنا عن ذلك المثقّف التّونسي المعروف محمد السّنوسي في كتابه "الرحلة الحجازيّة". وإرسال قوات إلى تونس البَعيدة والواقعة في شمال أفريقيا كان محل معارضة شديدة من قبل فرنسا، بل إن فرنسا هدّدت بضرب أيّة سفينة تقترب من السّواحل التّونسية.

لاشك أنّ الحكومة العثمانية نظرت إلى الموضوع من باب المكاسب والخسائر، في وضع دولي متأزّم وخطير، وتدخّلها المفترض في تونس ضدّ فرنسا سوف يجعلها تخسر حليفًا وصديقًا تربطها به علاقات قويّة. ثم إنّ التّدخل في تونس قد يُضعف أكثر الوضع الدّاخلي ويُغري روسيا بمزيد التوسّع بعد خروجها منتصرة على العثمانيين في حرب 1877م. وبالنتيجة فإن خسارة تونس البعيدة أقل ضررًا من خسارة مناطق على تخوم العاصمة اسطنبول. كما أنّ العثمانيين يدركون أن عين إيطاليا على طرابلس الغرب المجاورة، ولذلك لابد من اتّخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم خسارة طرابلس كذلك. 

بالنّسبة إلى موقف الوالي محمد صادق باي، فقد اتّهمه أصحاب الرّسالة بالخيانة إزاء شعبه ووطنه، وهذا أمر صحيح ولا يمكن تبريره، لكن بالمقابل يمكن تفسيره. إذ يبدو أنّ الوالي كان يدرك إدراكًا حقيقيا طبيعة الوضع، وطبيعة التّوازنات في تلك الفترة، ويعرف أنّ معارضة فرنسا في مشروعها الاستعماري لن يُجديه شيئًا، خصوصا أنّها أعدّت عدتها منذ أشهر، وأن الحكومة العثمانية غير قادرة على نجدته.  وقد أثبتت الرّسائل التي بعث بها إلى الباب العالي أنّه كان في البداية رافضًا للتّدخل الفرنسيّ، بيد أنّه وجد نفسه أمام الأمر الواقع عندما حاصرته القوات الفرنسيّة في قصر باردو يوم 12 ماي سنة 1881م وأجبرته على توقيع المعاهدة. كما تفيد المصادر أنّه تردّد لأكثر من أربع ساعات قبل أن يوقّع عليها تحت التّهديد. فخوفه وقلّة شجاعته لا يعفيانه من كونه ورّط تونس في معاهدة مُجحفة عانت منها تونس لعقود طويلة.    

                                

نص الرّسالة:           

"إن أفضل ما حوته الطروس وخلج القلوب وقام في النفوس بسط كف الضراعة وبذل ما فوق الاستطاعة ببث الأدعية الوافرة الخالصة المتكاثرة أن يمدّ الله أيام عزّ ولي النّعم مالك زمام جميع الأمم، ظل الله في الأرض المظفر في البيعة طولا وعرض، فرع الشّجرة العثمانية المحافظة بسيفه القاطع على أركان الشريعة المحمدية أمير المؤمنين وخليفة الله على العالمين ذي الفضائل التي لا تحصى، وخادم الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى، من انقادت رقاب الخلق لزمام عدله، وأمطرت على رياض كافة العالمين وابل الإحسان شآبيب نيله وفضله، فغدت غصون مكارمه أنيقة الأزياء، وقطوف مراحمه دانية الأثمار، وعمت آلاؤه الأمير والمأمور، وفاضت نعماؤه على الريان والممطور من يستظل بظل حمايته كل مكروب، ويستغيث بإمداد عنايته كل من طرقته الخطوب، ألا وهو السّلطان بن السلطان الغازي عبد الحميد خان لازال مؤيّدًا بتأييد الله الملك الأعلى إنه هو القريب المجيب، وهو حسبنا ونعم المولى الأمين. 

وبعد فإنّ ما يعرضه العبيد إلى رحاب العدالة المحفوفة بالنّصر والتأييد أنّنا في الأصل من أهالي تونس وملحقاتها الذين مازالوا محتمين تحت ظل جناح الدّولة العلية العثمانية أيّدها الله، ولِمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. ولم نزل نرتع في رياض عدلها ونقطف من أزهار فضلها حتى حضر الفرنسيس، وكدّر علينا موارد الصّفو والهناء، وأوقع ديارنا وأهاليها في أشد العناء بأن أجلب علينا بخَيله ورَجله، وأشْهر ما تقتضيه أفكاره وسوء فعله، وسلّ علينا سيف العتوّ والعدوان بواسطة سُوء تدبير وخيانة بعض الخوّان ممن تولّوا الأُمور علينا لأفكار أساسها مبنيّ على الذلّ والخَبال الذي تأباه طباعنا. لكن بحوله تعالى لا يحصلون من ذلك إلا على حُبوط الأعمال.

ونحن نعلم يقينا أنّ دولتنا أيّدها الله لو لم يكن عندها بعض الملاحظات لأدركتنا بما يلزم حسّا وحقيقةً. وأمّا معنَا فهي لم تزل باذلة الجدّ والاجتهاد في إجراء ما تقتضيه الحال ويَحسن به المآل إن شاء الله ونتيقّن أنّ دائرة السّوء لا تدور إلا على المعتدين، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. 

وأمّا نحن فلم نزل طالبين الحماية والالتجاء بظلّ جناح مرحمة الدّولة العلية العثمانيّة، ولا نرضى بكلّ ما أجرته الفرنسيس في تونس من الاتفاقيات التي جرت مع صادق باشا المبنيّة على توهّم وأفكار دُخول التّونسيين تحت حماية وسيادة فرنسا. فكلا والله لم نألُ جهدًا في المدافعات عن أوطاننا أموالاً وأبدانًا. لكن لعدم انتظام أحوالنا لم يحصل لنا التّوفيق لأن نكون مظهرًا لقوله جلت قدرته "وأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِن ربَاطِ الخَيْلِ"، فلم تُساعدنا الأقدار بذلك لسُوء نيّة صادق باشا المشار إليه، فآل الحال حتى استولى على كافة ديارنا وأجرى بها كل ما تأباه الطبائع وتنبو عن استماعه المسامع من قتل الرّجال والنّساء والأطفال وإهانة المواقع الدّينية خصوصًا ما صنعه في صفاقس وقابس والقيروان وبعض جهات من قبائل العرب من نهب الأموال وهتك الأعراض إلى غير ذلك. 

فما نظنّ أنّ هذه الأمور الفظيعة ترضاها أيّة أمّة كانت تدّعي الانتساب إلى التمدن، فتركنا الأوطان منتظرين تقلّب الزّمان، وحيث إنه لا ملجأ ولا مرجع لنا حالاً ومآلاً إلا رحاب الخلافة الإسلامية بَادرنا نحن المهاجرون من التّونسيين إلى ولاية بنغازي مع الجَسارة على تقديم هذا العرض لأعتاب أمير المؤمنين مقيمين به الحجة على جمهورية فرانسا وطالبين من مراحم الدّولة العليّة ومن كل من اتصف بقواعد الإنصاف والعدالة والمدنية أن يُسعفنا بما يلزم لنتخلص من أيادي وظلم الفرنسيس بإقامة الحجة عليهم لأجل تضمين كافة ما فقدناهُ من أموالنا وأعراضنا وأنفسنا مع رفع أيادي تسلّط الفرنسيس عنا، فإنه ليس إلى توطيد أحكامهم علينا من سبيل، وها نحن ننتظر حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين".

 (الأرشيف العثماني، وثيقة رقم Y. PRK. KOM 3/42)

عن الكاتب

د. مصطفى الستيتي

باحث متخصص في التاريخ العثماني.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس