محمد زاهد جول - أخبار تركيا

أقامت أحزاب المعارضة السياسية التركية بعض تحالفاتها ضد حزب العدالة والتنمية لخوض الانتخابات البرلمانية في السابع من حزيران القادم، ولا يزال الحديث مستمراً على مزيد من التحالفات، وقد يستمر ذلك حتى اليوم الأخير قبل الانتخابات، وقد يعلن عن بعضها ويبقى الباقي طي الكتمان والسرية، وبالأخص التحالفات المشبوهة مع الكيان الموازي.

بعد أن أصبح الكيان الموازي كيانا على القائمة السوداء في الكتاب الأحمر لمجلس الأمن القومي التركي بصفة رسمية، وما قد يترتب على ذلك من ضرورات السرية لأسباب قانونية أولاً، ولأسباب عدم تسويد الوجوه التي ترتبط مع هذا الكيان في تحالفات تمثل تحالف عدوانياً ضد تركيا قبل ان تكون ضد حزب العدالة والتنمية.

ومن المؤكد أن تحالف أحزاب المعارضة لا يهدف أو لا يطمع إلى ان يكسب أصواتاً تمكنهم من تشكيل الحكومة التركية القادمة، وبتعبير آخر فهم لا يأملون بهزيمة حزب العدالة والتنمية ولا حرمانه من تشكيل الحكومة القادمة، وإن ظهرت وعود عند رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلشدار أغلو بانه في حالة فوز حزبه في هذه الانتخابات فإنه سوف يغير وجه تركيا أو يقوم يطرد اللاجئين السوريين أو غيرها.

فكل هذه الوعود مما اعتاد الشعب التركي على سماعها، وكلشدار أغلو نفسه يعرف أنه لا يستطيع تحقيق ذلك، ولكنها وعود تقليدية كما حصل في الانتخابات الماضية، ولكن إذا كان الأمر كذلك، وكل استطلاعات الرأي تقول بأن حزب العدالة والتنمية سيحافظ على مستواه الانتخابي الحالي على أقل تقدير، فما هو دور تحالف أحزب المعارضة ضد حزب العدالة والتنمية.

الجواب يأتي من جهتين هو أن حزب العدالة والتنمية لا يهدف لمجرد الفوز في الانتخابات البرلمانية القادمة فوزاً يمكنه من تشكيل الحكومة فقط، وإنما يهدف إلى تحقيق فوز كبير في عدد اعضائه في البرلمان التركي، بحيث يحصل حزب العدالة والتنمية على ما لا يقل عن ثلثي أعضاء البرلمان، الذي يبلغ عدد أعضائه خمسمائة وخمسون (550) نائباً، فهو بحاجة إلى ثلاثمائة وثمانية وستين (368) نائباً على أقل تقدير.

وذلك حتى يتمكن من قيادة تركيا نحو تعديلات دستورية مهمة وكبيرة جداً، من اهمها تغير النظام السياسي إلى نظام رئاسي، وكتابة دستور جديد لتركيا، بعد أن مضى أكثر من ثلاثة عقود على كتابة آخر دستور وضعه العسكر عام 1982، تحت ظروف كانت تعاني تركيا من اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية جعلت تركيا دولة مديونة لصندوق النقد الدولي وفي مؤخرة الدول الأوروبية، بالرغم مما تحتله من موقع استراتيجي وإمكانيات بشرية وموارد هائلة.

وبالرغم من إجراء العديد من التعديلات الدستورية التي أجرتها حكومة حزب العدالة والتنمية على الدستور التركي في السنوات الماضية، كان من اهمها الحزم الديمقراطية المتعاقبة، وإعطاء الحق للشعب لانتخاب رئيس الجمهورية مباشرة، إلا أن العديد من التعديلات لا تزال تحتاج إلى إقرار من البرلمان القادم، فالشعب التركي بجاجة إلى تعديلات كاملة أو كتابة دستور جديد، يؤسس لحياة اجتماعية وقومية جديدة في تركيا تستوعب حقوق كل أبناء الشعب التركي، بغض النظر عن أصولهم القومية أو العرقية أو الاثنية أو الدينية أو السياسية أو غيرها.

فقد عانت بعض القوميات من فروق في الحقوق والواجبات من الدستور الحالي وما قبله أيضاً، فكان إقدام حكومة حزب العدالة والتنمية على إقرار حزم ديمقراطية عديدة، وهذه الحزم الديمقراطية كانت من أهم الأسباب التي جعلت الشعب التركي يتمسك بحكومة حزب العدالة والتنمية في السنوات الثلاثة عشر الماضية من كل الاثنيات القومية التركية، فضلا عن التقدم الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة، وغيرها من المكاسب التي حققها حزب العدالة والتنمية.

لذلك فإن سعي حزب العدالة والتنمية للفوز في هذه الانتخابات البرلمانية ليس لمجرد تشكيل الحكومة من حزب العدالة والتنمية فقط، وإنما بلوغ عدد نوابه في البرلمان اكثر من الثلثين على أقل تقدير لإجراء التعديلات التي تحقق الأهداف التي ينشدها المواطن التركي، ولو استطاع حزب العدالة والتنمية تحقيق نجاح أكبر من الثلثين فبلغ أربعمائة (400) نائب أو أكثر، فإن ذلك سوف يمكنه من كتابة الدستور الجديد دون معارضة برلمانية، قد لا تكون حريصة على مستقبل تركيا وفق سياسات حزب العدالة والتنمية، أو أنها حريصة على معارضة حزب العدالة والتنمية بغض النظر عن جدوى سياساته، حتى لو أن هذه السياسات ولو في الجانب الاقتصادي استطاعت خلال الثلاثة عشر سنة الماضية تحقيق الكثير من النجاح بشهادة الشعب التركي والدول الخارجية المؤسسات المالية العالمية.

ولذلك فإن أهداف هذه الانتخابات ينبغي أن تحدد مستقبل هذه الأحزاب السياسية التركية التي في السلطة والمعارضة، فما ينبغي على الشعب التركي أن يتخذه من قرارات ليس تأييد أحزابه السياسية فقط، وبالأخص التي اعتاد على تأييدها في السنوات الماضية، وإنما أن يؤسس لعقلية انتخابية جديدة، جديرة بوعي الشعب التركي المعاصر، وما وصل إليه من مكانة عالية داخلية وخارجية في العقد الأخير، فقد أصبحت تركيا على عتبة الدول الكبرى، ولا يستطيع أحد أن يمنع تركيا عن هذه المكانة إلا تخاذل الشعب التركي عن تأييد الحزب الذي يستحق الفوز، وبالدرجة التي يريدها، وبعدد النواب الذي يطلبه، لمواصلة مسيرة التقدم والنجاح التي يستحقها الشعب التركي.

إن مستقبل تركيا بيد الناخب التركي وليس بيد أحزابه السياسية، ولذلك فإن تحالف أحزاب معارضة لا يستطيع أن يغير من مستقبل تركيا إذا لم تستطع وهي مجتمعة إعاقة مسيرة التقدم والنجاح التي يعد بها حزب العدالة والتنمية، فالشعب التركي ليس في تنافس بين الأحزاب السياسية التركية، وإنما في تنافس بين نجاح مستقبل تركيا ومن يستطيع تحقيق هذا النجاح في الحكومة القادمة، وقد كان للشعب التركي تجربة مع حزب الشعب الجمهوري، وأدرك الشعب التركي جيدا قدرات هذا الحزب على قيادة تركيا في الماضي.

فكيف به في المستقبل الذي لم يقدم له برنامجاً ينافس النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية، وهذا الحال ينطبق على حزب الحركة القومية، والحزب المتبقي على ساحة المعارضة الفاعلة بعدهما هو حزب ديمقراطية الشعوب، الذي حتى لو استطاع تجاوز الحاجز الانتخابي فإنه لن يستطيع إطلاقاً تشكيل حكومة تركية منفرداً، وكذلك لن يستطيع المشاركة في تشكيل حكومة لها القدرة على قيادة تركيا بنجاح أكبر من حكومة يشكلها حزب العدالة والتنمية، لأن أجندته أيديولوجية وقومية ومناطقية، والحزب الذي لا يزال غير متأكد من دخوله البرلمان التركي بقائمته الحزبية، لا يستطيع التطلع إلى قيادة تركيا من خلال حكومة ائتلافية سوف ترجع تركيا عقوداً إلى الوراء، فيما لو تشرذمت أصوات الناخبين الأتراك بين الأحزاب التركية المعارضة.

هذه القراءة لا تعني إلا تقديرا واحداً، وهو ان الناخب التركي امام مسؤولية انتخاب من يسير بتركيا الحالية إلى تركيا الجديدة والدولة الكبرى في أوروبا والعالم، أو ان يسير وراء مناكفات حزبية أو أطماع لمن يظنون أنهم يستطيعون عرقلة النجاح التركي نكاية وعداوة لحزب العدالة والتنمية، بدليل أن التحالف بين الأحزاب الثلاثة حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية مع حزب ديمقراطية الشعوب ذو الغالبية الكردية هو من اغرب التحالفات في التاريخ التركي، فكلا الحزبين الجمهوري والقومي من أكثر الأحزاب التركية معارضة لمبدأ المصالحة الداخلية من الناحية السياسية.

واما من الناحية الأيديولوجية والقومية فتاريخهما ضد القومية الكردية، وهذا معروف في تاريخهما السياسي والحكومي أيضاً، ولذلك فإن هذا التحالف الثلاثي يحمل ضغائن الصراع القومي في تركيا، ومن الخطورة البالغة أن يركن الشعب التركي على هكذا تحالف لا يجمعه إلا عداء حزب العدالة والتنمية وليس مستقبل تركيا، فالخطورة آتية على مستقبل تركيا حتماً، وليس على مستقبل حزب العدالة والتنمية فقط، وهو ما يتطلب وعياً كبيرا من الشعب التركي على مستقبل تركيا، وليس على صراع أحزابها المعارضة والحاكمة فقط، فحزب العدالة والتنمية هو الذي أوصل تركيا هذا المستوى الدولي الكبير والآمن والمستقر والسعيد، وأحزاب المعارضة منفردة أو متحالفة تراهن على خسارة الحزب الحاكم، حتى لو كان ذلك حتماً على حساب مستقبل الدولة التركية.

عن الكاتب

محمد زاهد جول

كاتب وباحث تركي مهتم بالسياسة التركية والعربية والحركات الإسلامية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس