مهنا الحبيل - الجزيرة نت 

التوافقات العلنية بين موسكووأنقرة أعطت أبعادا جديدة لمستقبل الثورة السورية، لا تعطي القراءة الأولى تفسيرا إيجابيا لها، وخاصة من زاوية معرفة موقف موسكو المحوري منذالاتفاق بين بوتين وأوباما الذي انتهى إلى قبول أميركي عام بتصفية الثورة السورية.

فمنذ ذلك الحين والثورة تعيش أصعب مضايقها، وتتعزز المذابح على شعبها، وينسحب الحلفاء المزعومون أو الحقيقيون إلى ركن يجنبهم شظايا القصف عليها.

غير أن الزاوية الأخرى التي تدركها موسكو وأنقرة معا، أن السيطرة على الميدان السوري ليست سهلة، وأن توافقات دولية وإقليمية عربية وشرقية جرت سابقا لم تستطع تنفيذ مخططها، لكن المروع أن كل سيناريو كان ينحت في الجسد المدني السوري، ويطيل الحرب ويطيل عمر النظام.

ولعل هذه المعادلة تحديدا هي محور مركزية التفكير الغربي اليوم، وهي إطالة الحرب وعمر النظام حتى تصفية أي قدرة للثورة، يمكن أن تحقق معادلة إنتاج لدولة وطنية دستورية قوية، تقدم للشرق نموذجا جديدا لدولة مدنية منسجمة، تحكم سوريا على حدود إسرائيل وأمنها المركزي، وهنا رمزية التقاطع الإيراني الإسرائيلي المهمة.

ولم يكن الروس في جهل تام بهذه الخلاصة، لكن غرور بوتين وطموحه الضخم، دفعه للتقدم لحصد مساحة المحرقة لصالح موسكو، بعد أن أصبح هو اللاعب الرئيسي في القتل الجمعي، وتحول تدخله إلى نفوذ عملي تخضع له طهران والنظام، خصوصا إذا تحققت أحلامه بهزيمة الثورة والمتحالفين معها.

لم تنته جولة موسكو، ولا تزال تراهن على الانتقال الجديد في الحرب، وحسم معركة حلب، لكن ما يُسرب من أطراف عدة يحتاج إلى تصفية حذرة للغاية، لتأثير آلة الدعاية الموظفة لكل طرف.

وفي المقابل ولحسابات موسكو الأخرى، فإن قدرتها على الحسم القديم تراجع تقديره، وإن لم تعترف بذلك رسميا، لكن من الواضح أن رهانها على الحسم في ظل خلافها مع أنقرة لم يتحقق، فهل باتت تفكر بمخرج لنصر أقل يتواضع بالتقاطع مع تركيا؟

إن سقوط مشروع الاتحاد الديمقراطي الكردستاني، بعد أن دُفع بتوافق قوي بين واشنطن والنظام وإيران، وكان ركيزة مهمة للصفقة الغربية مع طهران، يُشير إلى الحسابات المعقدة، ودوافع الروس لقبول التدخل التركي لتصفيته، كما أنه يؤكد بأن الضخ الإعلامي والسياسي في هذه المشاريع لا يعني حتميتها على الأرض.

وإن كنا نعتقد أن واشنطن وطهران، كانتا جادتين في دعم هذا المشروع، لكن حسابات موسكو مع ما يقابلها من توافق جديد مع أنقرة، تسببت في نقض هذا المشروع، على الأقل في بنيته الأولى، لفصل شمال سوريا كإقليم فيدرالي، واستخدامه قاعدة موسمية لاستنزاف تركيا.

وهناك تقييم واسع بأن موسم داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) في نسخته الحالية ينهار، ولسنا في صدد تفكيك وشرح هذه المعادلة التي تطول، لكنه بات واقعا مرصودا، وأن فرص التوظيف لها اليوم تتجه في استخدام ذوبانها لا قوتها الميدانية.

وهو ما يعني تسخير انهيارها السريع، إلى تشجيعها أو قيامها الذاتي بعمليات عنف أكثر وحشية وعشوائية، وهو غالبا يتزامن مع آخر زمن تنظيمات العنف اليمينية في العالم، قبل تبخرها، وإن كان ذلك لا يضمن أبدا عدم ولادة تنظيم جديد للسلفية الجهادية لا تُعرف حدود تطرفه.

هنا تبرز حقيقتان مهمتان للموقف التركي، تحتاج الثورة السورية وميدانها وسياسيوها خطة دقيقة للغاية للعبور منها وعبرها، وهي تطرح في سياق مصلحي بحت، بحكم أن نوعية هذه المصلحة لدى الدولة التركية، يناسب مصلحة الثورة والشعب السوري، في هذا المخرج الحرج، الذي لو استُثمر بالفعل قد يحقق اختراقا نوعيا للثورة السورية في موسم تشير التقارير أنه موسم تصفيتها.

هناك عنصران مصلحيان لأنقرة قد يشكلان دافعا لها بشأن العلاقة مع المشروع الروسي، فالانغماس مع موسكو، ليس في صالح أنقرة الإستراتيجي بعيد المدى، كما أن مواجهة الروس عسكريا خطأ أفلحت أنقرة في تجنبه، فاستمرار أنقرة مع التقاطع الروسي سيؤدي إلى مفصل كارثي عليها، كما حصل مع الدولة العثمانية وثورة الإمام شامل الداغستاني، وأن البرغماتية السياسية التي تلغي الإستراتيجيات الكلية للإقليم، ستسدد حسابات صعبة ليست على السوريين وحسب، بل على رابطتها القومية الكبرى وأمتها الإسلامية.

ويبدو أن أنقرة اعتمدت العاملين التاليين للخروج من أي حصار واستهداف لوحدتها القومية:

1- الكيان الانفصالي الكردي في سوريا، وهيمنة الغرب وإيران عليه، كما جرى في كردستان العراق.
2- اليقظة الكبرى التي تعم المسؤولين الأكراد، وتؤكد أن فكر السلفية الجهادية والسلفية الطائفية الموازية لها، عنصر تفجير وتفتيت نوعي، تحول أيضا إلى حصان طروادة داخل تركيا، وليس على حدودها مع سوريا فقط.

والجواب على تحقيق هذه المعادلة، وتجنب التورط الواسع مع موسكو هو أن الوصول للعنصرين ممكن بشراكة نوعية مع الثورة السورية، فيتحقق لحكم العدالة وتركيا نفس المطلب القومي للثورة السورية.

فالكيان الكردي الذي تعاون مع النظام وإيران والغرب، أخذ من رصيد الثورة ووحدتها وانسجامها الشعبي، والسلفية الجهادية شكّلت أخطبوطا فتاكا في جسمها الميداني، والتمويل الملياري الضخم، الذي وُجه لإسقاط الجيش السوري الحر، لصناعة ثورة سلفية بديلة، كلها ساعدت وظيفيا على تفتيت الميدان لمصالحها الموسمية، وصفقاتها الخاصة.

واليوم هناك مراجعات بل قناعات ضخمة وفرز في القوى السلفية العلمية المعتدلة، المنتمية للإرث السوري السلفي والشرعي العريق، بكارثية ذلك الدور، وبالتالي عناصر المعادلة الجديدة، لصالح أنقرة والثورة وشعب سوريا كشعب، بكل أطيافه وقومياته يمكن أن تصاغ في خارطة طريق لا تمنع تركيا الجديدة من استكمال مشروعها الدبلوماسي الانتقالي، ولكن تتقاطع معه إستراتيجيا.

وهنا بنود مقترحة لهذه الخارطة:
1- الخلاصة النهائية للخارطة الجديدة، هي نتيجة دحرجة المشروع الجديد لتقليص مساحة وفرص مناورات الخصوم، وليست مشروعا نهائيا، لكنه سيَنقل المسرح الميداني بلا شك إلى قوة شراكة حقيقية لمصلحة تركيا والشعب السوري.

2- أول قاعدة يحتاج الثوار إلى حسمها بأسرع وقت هي إعلان اندماج أكبر قدر ممكن من الفصائل الإسلامية السورية، والجيش السوري الحر، خارج السلفية الجهادية. ويمكن لحركة أحرار الشام ذات العلاقة الإيجابية المميزة بكل الفصائل، والقدرات الشبابية الفاعلة أن تقوم بدور رئيسي في ذلك.

وستتوحد مع هذه القوى، فصائل مهمة كالجبهة الشامية وفيلق الرحمن وغيرهم، وتعاد هيكلة أركان الجيش السوري الحر مع الحفاظ على استيعابه الوطني الاجتماعي لكل الشعب، ومرجعية الإسلام لا تقتضي أيديولوجية محددة، وانما عقيدة قتالية يؤمن بها كل الجيش الحر، وهي من ضروريات فقه الشريعة السياسي.

3- هناك خط وعي متصاعد في جيش الإسلام والفصائل السلفية الأخرى المتحفظة، قد يحتاج إلى اجتماعات فكرية، وجسور مع المراجع المشيخية لهم في الخليج العربي، وهذا الدور ممكن للغاية تحقيقه بفريق عمل فكري حين يُدعم من قرار سياسي من تركيا والحليف القطري المميز معها، فيلتحق جيش الإسلام بالوحدة، ويُسعى لتحييد فتح الشام عن مواجهة المشروع، بجسور مماثلة. 

4- هذا الجسم لم يولد حتى اليوم على صعيد الثورة، ولو وُلد سيحقق حضورا شعبيا وميدانيا ضخما سيُجدد روح الثورة، ولكن لا بد له من رؤية فكرية، وضبط خطاب لا يسمح بتلاعب المواسم السابقة فيه، خاصة في ردود الفعل على الطائفية الإيرانية وغيرها، بل التركيز على الخارطة الإستراتيجية، وهزيمة مشروع طهران في الميدان، وليس استخدام الثورة للمواسم الخليجية المصلحية واستنزافها المكلف.

5- الرؤية السياسية هي الخطوة الأساسية بعد ذلك، والتنسيق لطرح مشروع جديد للائتلاف الوطني ومعالجة ازدواجية مهامه مع الهيئة العليا للمفاوضات، وسواء أعيد تدشين خطابه، أو انتخب رئيس انتقالي لسوريا، وليس رئيس للائتلاف، يدعمه الميدان الجديد، فهي خطوة سياسية تعزز مسار الثورة الجديد، وترفع فرص استثماره الإقليمي والعربي والدولي.

إن ما يطرح من بنود واقتراحات هي أمر صعب لكنه ليس مستحيلا، وإذا لم يكن دافع خيارات تمديد معاناة الشعب وتصفية الثورة، وخضوعها لمتطلبات قهرية للتوافقات دافع للتحرك، وبالذات الوحدة الميدانية، فهذا يعني نهاية آمال الشعب وتضحياته، وتكرار أفغانستان جديدة.

إن هناك مسؤولية كبيرة على الميدان، لكن ذلك لا يُلغي أن قدرات أنقرة وحليفها القطري، قادرة على خلق أجواء لبرنامج تنفيذي ينقذ الثورة، بدلا من وجبات إنجاز ميداني محدودة، تُضخَّم فيها السلفية الجهادية، لتسمين الضحية السورية للذبح الكبير.

عن الكاتب

مهنا الحبيل

كاتب وباحث إسلامي ومحلل سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس