فايزة جوموشلو أوغلو – صحيفة ستار – ترجمة وتحرير ترك برس

كان الجيش العثماني يدافع عن إمبراطوريته في "تشنق قلعة" عام 1915، لكنه في نفس الوقت، أدرك أنّ الجبهة البعيدة جدا في قطر، لن تستطيع الصمود في وجه القوات الإنجليزية، فقرروا الانسحاب من قطر، وهي النقطة الأخيرة التي بقيت من الخليج تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، وقد ترك الجيش العثماني بعد انسحابه 14 بندقية و120 رصاصة قاموا بتسليمها إلى الشيخ عبد الله.

قامت الدولة العثمانية بتوقيع اتفاقية مع انجلترا للانسحاب من قطر عام 1913 في الأصل، لكن سيطرة العثمانيين بقيت لسنتين إضافتين، وتسلم زمام الأمور بعد ذلك الشيخ أحمد الذي كان يتحرّك بالتوافق مع الإنجليز.

بعد مرور 100 عام على تسليم زمام الأمور إلى الشيخ أحمد، وافق حفيد حفيده الحالي أمير قطر الشيخ تميم على عودة العساكر الأتراك إلى تلك البلاد، ولا شك أنّ توقيع هذه الاتفاقية ستصب في مصلحة الدولتين، وتحمل أهمية بالغة بالنسبة لكليهما، فالمكاسب التي ستحققها تركيا من هذه الاتفاقية يحتاج لموضوع آخر، لكنني سأتحدث اليوم عن السبب الذي قاد قطر لتوقيع مثل هذه الاتفاقية.

تسعى قطر التي أصبح اسمها يُتداول أكثر من اسم دول الخليج، إلى أنْ تصبح قوة إقليمية صاحبة نفوذ، وشعرت مؤخرا بضرورة تعزيز قوتها الدفاعية، فالأمير الشاب الشيخ تميم الذي استلم زمام الأمور من والده الشيخ حمد، يرى بأنّ المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من "القوة الناعمة" إلى "القوة الخشنة".

وقد اتخذ الأمير عدة قرارات في هذا الجانب، كان أولها العام الماضي عندما أقرّ قانون الخدمة العسكرية الإجبارية للرجال، وهذا دليل واضح على شعور الأمير بضرورة زيادة مستوى الأمن والردع خلال الأعوام المقبلة، ومع أنّ الخدمة العسكرية مضى على إقرارها عام واحد فقط، إلا أننا لاحظنا التزام الشباب القطري بها، وجديتهم في التعامل معها، وتطبيقها بكل وعي وإدراك وتضحية.

تحكيم القوة العسكرية

شعور قطر بحاجتها إلى زيادة قوتها "الخشنة" أو الصلبة، نمى مع بدء أحداث الربيع العربي، وازداد ذلك بعد تدخلها في الحرب في سوريا، وكذلك بعد الانقلاب الذي جرى في مصر، وما رافقه من توتر وصل ذروته في العلاقات القطرية السعودية والعلاقات القطرية الإماراتية، ولذلك تابعنا كلنا توقيع قطر لاتفاقية مع فرنسا حصلت بموجبها على 24 طائرة حربية من نوع "رافال" بقيمة وصلت إلى 6.3 مليار يورو، لتكون هذه خطوة أخرى على طريق تعزيز قوة قطر الخشنة.

ولهذا تسعى قطر الآن، والتي تعيش حراكا إصلاحيا على صعيد قوة الردع، تسعى إلى تعزيز قوتها العسكرية أيضا بصفوف جيشها على مستوى الجنود، وتعمل على الاستفادة والدخول في تشكيل قوة عسكرية خليجية مشتركة، وفي قوة جماعة الدول العربية وكذلك في قوة حلف الناتو.

وقد تحدث أندرياس كريغ الأستاذ المساعد في جامعة بريطانية والذي يعطي دروسا تعليمية للضباط في قطر يقول: "قطر تحضر قواتها العسكرية بما يضمن أمنها القومي والإقليمي في المستقبل"، مشيرا إلى أنّ قطر لا تعمل فقط على جانب التجهيزات، وإنما تجلب خبرات خارجية لتقديم دروس تعليمية في الفنون العسكرية.

من جهة أخرى، فإنّ الحديث عن القاعدة العسكرية التركية التي سيتم افتتاحها في قطر وتصويرها بأنّ هدفها حماية قطر، هو حديث غير دقيق، خصوصا وأنّ هناك قاعدة عسكرية أمريكية متواجدة أصلا في قطر، وهناك اتفاقية بين الدولتين على أنه في حال اندلاع حرب فإنّ من واجب القوات الأمريكية حماية قطر.

لكن ربما لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية التدخل في نزاعات قد تنشب في دول الخليج، خصوصا وأنّ أمريكا لديها علاقات قوية أيضا مع السعودية والإمارات وبقية دول الخليج العربي، وهذا ربما يجعل قطر تشعر بأمنْ تجاه الخطر القادم من إيران بسبب وجود القاعدة الأمريكية، لكنها لا تشعر بالشيء نفسه تجاه دول الخليج الأخرى.

وأشار كريغ أنّ القاعدة العسكرية التركية لن تحمل معنى قاعدة عسكرية بالمعنى التام، موضحا بأنّ قطر في الأصل تستطيع بناء قاعدة عسكرية مماثلة، كما أنّ القاعدة العسكرية الأمريكية تغني عن أي قاعدة أخرى لحماية قطر، مضيفا أنّ القاعدة العسكرية التركية تهدف إلى زيادة عملية الإصلاح العسكري الذي تقوم به قطر كما ساهمت انجلترا وأمريكا بذلك من قبل.

ستعمل القاعدة العسكرية التركية على زيادة قوة وتنوع الجيش القطري، الذي يقدّر حاليا بـ 12 ألف عسكري في شتى المجالات التي تشمل القوات البحرية والبرية والجوية وغيرها، كما ستشتري قطر أيضا عتاد عسكري دفاعي لتلك القوات البحرية والبرية والجوية، وستعمل القوات التركية على إصلاح أكبر فجوة في الجيش القطري، وذلك عن طريق تعليم القوات الخاصة والقوات البحرية تحديدا.

مصالح تركيا

قد لا تبدو الاتفاقية العسكرية بين قطر وتركيا مهمة أو لازمة بالنسبة لتركيا، لكن زيادة الرؤية المشتركة بين قطر وتركيا في العلاقات الخارجية في الفترة الأخيرة، والآن زيادة التعاون أيضا في المجال العسكري، هو سبب كافٍ لتوقيع هذه الاتفاقية.

أكبر مكسب ستحصل عليه تركيا من هذه الاتفاقية، هو أنها ستستطيع القول "أنا هنا أيضا" في مواجهة الدول العظمى التي لم تنفك عن بسط نفوذها في المنطقة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وفرنسا، والصين وروسيا أيضا، وعندما نذكركم بأنّ دول الخليج هي أكثر الدول استهلاكا في مجال الدفاع العسكري، نستطيع القول أنّ تركيا ستحقق أرباحا من هذا السوق.

لا شكّ أنّ عودتنا السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد التي تركناها قبل 100 عام، ستكون ناقصة إذا لم تضم الجانب العسكري أيضا، وحينها ستبقى القوى الدولية تبسط هيمنتها وتحكمها في هذه المنطقة.

عن الكاتب

فايزة جوموشلو أوغلو

صحفية تركية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس