محمود سمير الرنتيسي - سيتا

تابع العالم كله كيف هاجمت دولة الاحتلال الإسرائيلي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤخراً بسبب تصريحات له قال فيها: “من المهم أن ندرك أن هجمات حماس لم تحدث من فراغ، وأن هذه الهجمات لا تبرر لإسرائيل القتل الجماعي الذي تشهده غزة”. وأضاف: “من أجل تخفيف هذه المعاناة الهائلة، وتسهيل توزيع المساعدات بشكل مضمون، وتسهيل الإفراج عن الرهائن، أكرر دعوتي إلى وقف إطلاق نار إنساني فوراً”.

وعقب تلك التصريحات، هاجمت إسرائيل الأمين العام للأمم المتحدة بشدة. إذ اتهمه وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين قائلاً: “أنه لم يعد قادراً على أداء مهامه أميناً عاماً للأمم المتحدة” داعياً إياه إلى الاستقالة الفورية. ووصفت المتحدثة باسم الخارجية الإسرائيلية، لوسي هادار، تصريحات غوتيريش بأنها “غير مسؤولة”.

وأشار مسؤولون آخرون مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إلى أن “غوتيريش يتصرف بعنصرية ضد إسرائيل. إنه لا يتعامل مع إسرائيل بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع الدول الأخرى إنه يحاول فرض شروطه على إسرائيل دون مراعاة مصالحها”. كما دعا السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة جلعاد إردان إلى استقالة غوتيريش.

إن هذا التوتر بين الأمم المتحدة وإسرائيل يشير من جهة إلى أن مازالت روح حياة في هذه المنظمة الدولية التي لم تستطع الصمت على قتل الأطفال وقتل موظفيها في غزة، كما يشير من جهة إلى أن الجرائم الإسرائيلية بلغت حداً لا يُحتمل حتى من منظمة دولية مثل الأمم المتحدة تعتبر عاجزة عن ممارسة أي ضغط حقيقي على تل أبيب لثنيها عن المضي في جرائمها التي تنتهك فيها القانون الدولي.

ومن المتوقع أن تستمر هذه التوترات في المستقبل بين الأمم المتحدة وإسرائييل وهي توترات ليست جديدة إذ هاجمت إسرائيل غوتريتش من قبل عندما ندد غوتيريش بانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعا إلى وقف بناء المستوطنات الإسرائيلية واعتبرت إسرائيل تصريحات غوتيريش تدخلًا غير مبرر في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، وغير عادلة.

إسرائيل تتهجم على كل ما لا يعجبها

كما هوجم غوتيريش عندما دعا إلى تحقيق مستقل في مقتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة برصاص قناص إسرائيلي في 11 مايو/أيار 2022. واعتبر الأمين العام حينها أن إسرائيل هي المسؤولة المحتملة عن مقتلها. فيما اعتبرت إسرائيل دعوة غوتيريش غير عادلة، ورفضت التعاون في التحقيق. ويُعرف عن غوتريتش أنه معارض لضم أراضي الضفة الغربية ويعتبره انتهاكاً للقانون الدولي.

أما من جانبه رفض غوتريتش اتهامات إسرائيل له مؤكداً أنه ملتزم أداء واجباته أميناً عاماً للأمم المتحدة، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم”. وأضاف: “سأستمر في ذلك بنزاهة وموضوعية”.

تشير هذه الوقائع إلى أن إسرائيل وصلت إلى مرحلة من التكبر والصلف لدرجة التهجم على كل شيء وعلى كل مؤسسة لا يعجبها حديثها حتى لو لم تتبن هذه الجهة آراء الفلسطينيين، فقط لأنها لا تنسجم مع الموقف الإسرائيلي ولا تدعمه دعماً كاملاً.

والغريب أن إسرائيل التي تنكرت لكل قرارات الأمم المتحدة تقريباً، تتهم الأمم المتحدة بالتدخل في الشؤون الإسرائيلية، وتتهمها بأنها غير عادلة وبأنها غير قادرة على إحلال السلام في الشرق الأوسط. مع أن إسرائيل هي التي أحبطت كل محاولات التسوية في المنطقة ابتداءً من مدريد وأوسلو وليس ختاماً بالمبادرة العربية للسلام في 2002.

تاريخياً عارضت الأمم المتحدة احتلال إسرائيل عام 1967، ودعا قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وإقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وعارضت إسرائيل القرار، واعتبرته مساساً بحقها في تقرير المصير. وكذلك الحال مع قرار مجلس الأمن 338 لعام 1973 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر 1973 إذ عارضت إسرائيل أيضا القرار، واعتبرته مساسًا بحقها في الدفاع عن نفسها.

وفي عام 1978 دعا قرار مجلس الأمن 425 إلى انسحاب إسرائيل من لبنان، وعارضت إسرائيل القرار، واعتبرته مساساً بحقها في الدفاع عن نفسها. وكذلك الحال مع قرار مجلس الأمن 465 لعام 1980 الذي اعتبر بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة انتهاكاً للقانون الدولي وهنا عارضت إسرائيل القرار، واعتبرته مساساً بحقها في تقرير المصير.ويوجد لكثير من الأمثلة على معارضة اسرائيل لقرارات الأمم المتحدة.

انقلب السحر على الساحر

أرادت إسرائيل أن توصم حركة حماس بالإرهاب واستندت على الدعم الأمريكي والغربي المفتوح لها وحاولت ترويج ذلك مستندة إلى معلومات مضللة لم تنطلِ على كثير من الدول في مقدمتها روسيا وتركيا وإيران وباكستان وعمان والجزائر التي عبرت عن رفضها لوصف حركة حماس بالإرهاب واعتبرتها حركة تحرر وطني.

كما أن إسرائيل أصبحت هي المتهمة بالإرهاب بسبب جرائم مثل القتل المتعمد للمدنيين وخاصة النساء والأطفال وقتل الصحفيين وقصف المستشفيات والمخابز، والعمل على تهجير السكان من بيوتهم فضلاً عن سياسات التمييز العنصري.

لقد انقلب السحر على الساحر وظهرت ألاعيب إسرائيل واليوم لحركة حماس دعم رسمي وشعبي باعتبارها حركة مقاومة، إذ تكفل الأعراف والقوانين الدولية لأي شعب تحت الاحتلال أن يقاوم المحتل حتى ينال حريته ويقرر مصيره. ويمكن القول أن إسرائيل فشلت في وصف حماس بالإرهاب، لأن تعريف الإرهاب ليس فقط على مقياس إسرائيل وأمريكا.

وكما قال الرئيس أردوغان إن اسرائيل لديها دين على الغرب وهو مجبر بدفعه لكن بقية الدول ليست كذلك وهذه الدول ومن بينها تركيا التي ترفض وصف حماس بأنها حركة إرهابية بل تعتبرها حركة تحرر ومقاومة.

عن الكاتب

محمود سمير الرنتيسي

باحث في مركز سيتا للدراسات بأنقرة


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس