أحمد البرعي – خاص ترك برس

لا يطلب حيادية الإعلام وموضوعيته إلا أفلاطوني يعيش في المدينة الفاضلة التي ظن الحالم بها "أفلاطون" أن الحياة ستسير بمعايير وقيم سامية لو حكم الفلاسفة وهو ما يصعب حدوثة كصعوبة عدالة الفاجر في زماننا. لا تستغرب من أفعال البعض ولا تستهجن من قبح افترائهم وتجاوزهم على الآخرين فكما تعلم إن المنافق إذا خاصم فجر، أي أنه يميل إلى امتهان الكذب ويعرض عن الحق ولكن بفجاجة وبذاءة غريبة في معظم الأحيان. لا تمنعه مروءة ولا أخلاق من أن يتمتع بأخلاق الفرسان مع خصمه فتصل افتراءاته حد القباحة والسماجة التي تأنف منها نفس الإنسان وفطرته.

بالأمس القريب قامت مجلة "نقطة" التركية بتصدير صورة لرئيس الجمهورية التركية الطيب أردوغان على غلاف صفحاتها وهو يلتقط صورة "سلفي" مبتسمًا وضاحكًا، ويظهر في خلفية الصورة نعش أحد الجنود الشهداء الذين سقطوا في المواجهات الأخيرة مع حزب العمال الكردستاني.

جاء رد الطيب أردوغان سريعًا وكما المعتاد، فإنه لا يأخذ بقول الشاعر حين يقول:

 لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا ... لأصبح الصخر مثقال بدينار

بل ثار وماج غضبًا أثناء لقاء تلفزيوني مباشر وقال "أنا في حياتي كلها لم التقط بنفسي صور "السلفي"، الآخرون يصورونني نعم، لكن أنا لم أفعل ولن أفعل. أنا لست عديم الشرف إلى الحد الذي يدفعني أن أدير ظهري لكفن يحمل بين جناباته جسد جندي شهيد من أبنائي وأبتسم وألتقط صور "السلفي". ليس من شيمي ولا من أخلاقي مثل هذه الأفعال، أما أولئك الذي زوروا ودبلجوا هذه الصورة فهم عديمو الشرف، وحقراء، وعديمو المروءة والأخلاق، وأصغر من أن أعتبرهم. وقد أعطيت تعليماتي للمحامين لملاحقتهم قضائيًا، وسيدفعون ثمن ما فعلوه غاليًا وغاليًا جدًا، لأنهم لا يعرفون قيمة الشهيد عندنا ويهاجمونني ليس لشخصي فقط، بل يطعنون في مبادئي وديني وإيماني. لن أدع هذه الحادثة تمر مرور الكرام. فلا يحق للصحافة أو الإعلام التعدي على حريات الأخرين بدعوى حرية الصحافة وأنها السلطة الرابعة ويحق لها ما لا يحق ليغيرها. حريتهم تنتهي عند حقوقي وحريتي".

قد يرى البعض أن أكبر رؤساء دول العالم يهانون في البرامج التلفزيونية وتتخذ شخصياتهم وخطاباتهم مادة للسخرية والفكاهة على صفحات التواصل الإجتماعي والإعلام المرئي والمسموع والمقروء، ولم يكن هناك داعي لتثور ثائرة الطيب أردوغان وخاصة أن الصحيفة لم تكن تقصد الإساءة إلى شخصه بل كانت تريد إيصال رسالة للقارئ بشكل ساخر. يا لتفاهة هذا الطرح ويا لوقاحته. لم تترك الصحيفة الجاني والقاتل والمحرض وصانع الإرهاب فحسب بل هاجمت الرئيس الذي سعى لسنوات ثلاث من أجل أن يحقن الدماء ويصون الأعراض ويحافظ على وحدة أرض الوطن، ويا لها من مفارقة وسخرية تعجز الأفهام عن استيعابها فمن جهة تصرح، ولا تلمح، الصحيفة إلى أن الرجل هو السبب الرئيس وراء ما يحدث في تركيا من إراقة دماء لأنه سمح، بمفاوضاته السلمية لثلاث سنوات، لحزب العمال الكردستاني أن يخزن السلاح ويعزز مواقعه القتالية لشن الهجمات ضد وحدات الجيش التركي، ومن جهة أخرى تتهمه بأنه لا يرغب في مشاركة حقيقية وفاعلة لأحزاب كحزب الشعوب الديمقراطي وهو ما دفعه لافتعال هذه الصراعات الدموية.

ويا للغرابة، ويكأنهم جميعًا يقرأون على يد شيخ واحد، إذ كانت جريدة "حريات" التركية قد نشرت خبرًا مفاده أن رئيس الجمهورية قد صرح بأن الشعب التركي أخطأ في اختياراته في الانتخابات الأخيرة، وأنه لو فاز حزب العدالة والتنمية بـ 400 عضو في البرلمان في الانتخابات السابقة، ما كان ليحدث في تركيا ما يحدث الآن. وهذا ما دفع أحد أعضاء البرلمان التركي، "عبد الرحيم بيون كالن" وهو شاب يترأس الذراع الشبابي لحزب العدالة والتنمية، دفعه فجور الصحيفة اليسارية التي لم تأبه للدماء التي تراق في شرق البلاد وغربها وتركت السبب الحقيقي وراء هذا الإرهاب والقاتل التي يتباهي ليلًا نهارًا بعملياته وأخذت تهاجم شخص أردوغان وتتهمه بأنه هو من قاد البلاد بسياسته الخاطئة، على حد زعمهم، إلى هذه النزاعات الدموية التي كان من الممكن تجنبها لو استمع لنصائح المعارضة. دفع هذا الفجور النائب الشاب إلى أن ينطلق بعشرات الأشخاص ويتظاهروا أما مقر وكالة دوغان اليسارية معبرين عن غضبهم وهو ما استنكره معظم رؤساء الأحزاب، ووضعت قضية "الاعتداء الغاشم" على مقر صحيفة "حريات" على أجندة اجتماع البرلمان التركي كإحدى نقاط المناقشة وطالب الأعضاء بمعاقبة العضو الشاب.

جاء الرد في اللقاء الحزبي الخامس لحزب العدالة والتنمية إذ انتخب البرلماني الشاب في لجنة الديوان الحزبي، بل وجلس على يمين رئيس الحزب أحمد داوود أغلو، الأمر الذي اعتبره "أحمد هاكان" الكاتب في الصحيفة ومقدم البرامج في قناة "سي إن إن ترك" صفعة من أحمد داود أغلو للمبادئ الحضارية والمدنية التي ينادي فيها الأخير في كتاباته ومؤلفاته وشن الصحفي اليساري هجومًا حادًا على شخص داوود أغلو وطالبه بعدم ذكر كلمة مدنية أو حضارة بعد فعلته المشؤومة هذه!! جدير بالذكر هنا أن أردوغان قد صرح في لقاء تلفزيوني أنه تلقى خطاب اعتذار من مؤسس وكالة دوغان اليسارية للإعلام، معتذرًا عن الخبر ومنكرًا أنه قد حدث فعلًا ولم ينشر هذا الاعتذار ولم ينوه له الصحفي المشهور.

لم تكن هذه السابقة الأولى ولن تكون الأخيرة في الحرب الإعلامية التي لا تقل ضراوة عن محاولات الاغتيال واخماد الأصوات فقد كانت مجموعة من القضاة والمدعين العامين التابعين "للكيان الموازي" في بعض أركان الدولة التركية قد فرضوا غرامات وعقوبات جزائية على قناة "Ahaber" وصحيفة "ستار" التركية القريبة من الحكومة ومن الطيب أردوغان وذلك، على حد زعمهم لتجاوزهم الحدود المهنية في الدعاية الانتخابية وبثهم لأخبار مغلوطة وكاذبة في بعض الأحيان بشأن عدد من المرشحين للانتخابات. وتوج هذا الهجوم متعدد الجهات بإطلاق النار على رئيس "مجموعة ستار الإعلامية" مراد سانجاك في محاولة واضحة لاغتياله وترهيب الإعلام لخلط الأوراق ولجر تركيا إلى أتون صراع داخلي تضيع فيه البوصلة. وهو ما لا يراه الإعلام اليساري شرخًا لصرح الإعلام وحريته ولا تعديًا على حريات الصحفيين فما دام الأمر لم يصل إلى عتبات جرائدهم وقنواتهم فهو إذًا استقلال القضاء، وإن وصل أصبح دكتاتورية الحاكم وتسلط الحكومة. لن تتوقف هذه الاصطفافات الإعلامية ولن تتوقف ماكنة الكذب والبروباجندا السوداء ولذا كان لزامًا إيجاد وسائل الرد والمواجهة بل وطرح البديل الذي يتمتع ولو بقدر من الموضوعية ولكنه لا يتنازل عن المهنية الأخلاقية وشرف المهنة الصحفية في طرح الحقيقة دون زيادة أو نقصان.

عن الكاتب

د.أحمد البرعي

باحث ومحاضر في قسم الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة أيدن


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس