يوسف كابلان - يني شفق

تعيش غزة تحت وطأة قصف الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من شهر، خلال هذه الفترة ارتكب جيش الاحتلال مجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، راح ضحيتها أكثر من 10 آلاف شهيد، ثلثاهم أطفال ونساء، ونصفهم أطفال فقط. هذا ما تم تأكيده، وهناك ما لا يقل عن هذا القدر من المحاصرين والشهداء الذين ما زالوا تحت الأنقاض أو لم يتم تسجيلهم بعد، فهدف هؤلاء المجرمين هو إبادة الفلسطينيين وإزالة فلسطين من الخريطة، وإن كان البريطانيون قد رسموا خرائط العالم الإسلامي وحددوها بالمداد، فإن هؤلاء اليهود الوضعيين يرسمونها بالدم، إنهم مصممون على تنفيذ مخططهم الإجرامي ومحو فلسطين من خلال قتل الأطفال والنساء وتحويل غزة إلى مدينة أشباح.

لقد دخل جيش الاحتلال غزة من الشمال، وأجبر الفلسطينيين على النزوح إلى الجنوب، ثم توقف عن القصف لفترة وجيزة بحجة أسباب "إنسانية"، لإجبار الناس على النزوح وحتى يتمكن من كسب الوقت وأملاً في تحسين صورته المشوهة أمام العالم.

انتفاضة عالمية توقظ ضمير العالم

إن جنون العظمة لدى اليهود يدفع البشرية إلى حافة الجنون، حيث يقتلون الأطفال والنساء دون تردد أو رحمة، بل ويفعلون ذلك أمام أعين العالم أجمع، وبهذا يثبتون للعالم أجمع أنهم خير مثال على من وصفهم الله في كتابه بأنهم أضل من البهائم.

لقد قدَّم القرآن الكريم وصفًا دقيقًا لشخصية اليهود وحقيقتهم بأصدق تعبير، حيث أوضح فسادهم وقسوتهم وتكبرهم وجحودهم لأنعم الله.

إن العالم بأسره يتابع بغضب عارم ما يقوم به الكيان الصهيوني في فلسطين ـ وفي غزة تحديدًا ـ من إبادة جماعية وتطهير عرقي. ومن يقرأ ما ورد في القرآن الكريم عن شخصية اليهود يدرك أن القرآن كتاب معجز من عند الله، حيث يصف هذه الشخصية بدقة وموضوعية، ويكشف عن حقيقتها المليئة بالكراهية والعدوانية.

وبالإضافة إلى ماسبق، أدى صمود الشعب الفلسطيني وعدم استسلامه أمام هجمات وغارات إسرائيل الوحشية، وتصديه بصدور عارية وبالحجارة لأقوى الأسلحة، وثباته على مبادئه وشجاعته وكرامته، إلى تعاطف العالم معه وحبه له، وبغضه لإسرائيل.

إن مقاومة الفلسطينيين للظلم والقتل والتهجير، ودفاعهم عن كرامتهم بإيمان قوي لا يتزعزع، أثار تعاطف جماهير الغرب ـ وخاصة الشباب ـ مع الفلسطينيين، ودفعهم إلى النزول إلى الشوارع في مختلف بلدان العالم، رغم الحظر المفروض عليهم، مما أدى إلى إيقاظ ضمير البشرية، واندلاع انتفاضة كبيرة ضد ظلم الاحتلال الإسرائيلي، يمكن أن نسميها "انتفاضة عالمية".

ربما تكون هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي ينزل فيها جماهير الغرب ـ رغم صمت المسلمين عن القضية الفلسطينية ـ إلى الشوارع والساحات، للتعبير عن رفضهم للظلم والوحشية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

يجب عقاب إسرائيل على مافعلته من إبادة جماعية وتطهير عرقي

من المؤكد أنه بعد الإبادة والتطهير العرقي الذي نفذته دولة الاحتلال الإسرائيلي في غزة، لن تعود الأمور كما كانت في السابق. فالجرائم الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل على مرأى ومسمع العالم أجمع ستؤدي إلى محاكمة المسؤولين الإسرائيليين، بدءًا من السفاح نتنياهو، عن جرائمهم ضد الإنسانية.

لقد أظهرت الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في غزة مدى خطورة جنون العظمة اليهودي، وقدرته على إحداث نتائج وحشية، وتحويل العالم إلى جحيم. وأماطت اللثام أمام العالم عن الجرائم المروعة التي ارتكبها اليهود بحق الفلسطينيين طيلة 75 عامًا. كما كشفت الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في غزة عن مدى ضعف وهشاشة المؤسسات الغربية، التي وقفت مكتوفة الأيدي واكتشفت بمشاهدة جرائم إسرائيل الوحشية. لقد أظهرت هذه المؤسسات أنها لا تمتلك أي روح أو إرادة، وأنها عاجزة عن حماية حقوق الإنسان.

لم نستطع إنقاذ غزة، لكن غزة ستنقذنا

أثبتت غزة أن شعارات "حقوق الإنسان، الحريات، سيادة القانون" مجرد شعارات جوفاء مغرية، بلا معنى. لقد انهارت المؤسسات الغربية، ودُفنت سمعة الأمم المتحدة واعتبارها في غزة، وظهر للعالم مدى وضاعة عنصرية وفاشية منظمات حقوق الإنسان، التي تتمركز حول الغرب.

وسيؤدي ذلك إلى إنشاء عالم جديد، وستقوم تركيا، بصفتها فاعلًا مؤسسًا في هذا العالم الجديد، بدور حاسم. كما أن العالم الإسلامي بأمس الحاجة اليوم إلى بناء قوة لحفظ السلام، ومنظمة أمنية، وقوة إغاثة طارئة، وجيش إسلامي، وآليات اتخاذ قرار مشتركة، وهيئات تعاون اقتصادي وثقافي على الفور، فقد اتضح أنه لا يوجد مكان يسمى العالم الإسلامي، وأن العالم الإسلامي ليس إسلاميًا، بل هو خراب مُستعبد منذ قرنين، شكله المستعمرون الغربيون مع العملاء الغربيين المحليين.

نحن لا نستطيع إنقاذ غزة، لكن قد توقظ غزة الإنسانية فينا، وتنقذنا.

عن الكاتب

يوسف كابلان

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس