أنور عبد الله الرواحنة - خاص ترك برس

ألا وقد انتهت احتفالات النصر بنتائج الإنتخابات البرلمانية التركية، على حكومة حزب العدالة والتنمية القادمة أن تدرك أن مهمة إدارة الدولة في المستقبل القريب ستكون محفوفة بالتحديات والأزمات نسبيًا (مقارنة بحكوماتها السابقة)، التي ستضعها أمامها أطراف داخلية وخارجية "تتربص" بنهضة تركيا وازدهارها.

السؤال هنا ليس إذا ما كنت تركيا ستكون مستهدفة أم لا، فهي كذلك بطريقة أو بأخرى. ولكن السؤال "ما نوع تلك المعركة القادمة، وما هي أدواتها، وما مدى تأثيرها على استراتيجية حكومة حزب العدالة والتنمية القادمة، وعلى مشروع تركيا الجديدة عام 2023 (مشروع رؤية 2023)، وهو المشروع الذي يتوقع أن يدخل تركيا "نادي القوى العظمى" (بحسب فرضيات بعض الباحثين، كما علقت في مقالة سابقة).

بمعنى آخر، إن بعض الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية ستبدأ جولة جديدة في معركتها المستمرة ضد تركيا لتأخذ تصعيدًا جديدًا في الفترة المقبلة، استكمالًا لهدف إعاقة نهضة تركيا وازدهارها نحو مشروع تركيا الجديدة عام 2023، أو بمعنى أدق منعها من أن تصبح "قوة عظمى" في السنوات القليلة القادمة.

على سبيل المثال، بعض المؤشرات (غير المطمئنة) التي صدرت قبل الإنتخابات التركية، وبعدها، بدت واضحة أن هناك بودار "مناورات إستطلاعية" على بعض "الجبهات" التركية لإيجاد ثغرة يتم من خلالها اختراق استراتيجية حزب العدالة والتنمية، وهو الذي يشير إلى أن معركة جديدة تلوح في الأفق.

فقبل الانتخابات، قامت عدد ليس بالقليل من الصحف والمجلات ومحطات التلفزة الغربية الفاعلة دوليًا بالتحريض على "عدم" إنتخاب حزب العدالة والتنمية، كما هو الحال مع التحريض الذي مارسته "مجلة الإكونومست" البريطانية ("وإن الحرب أولها كلام").

ذلك التحريض لم يُراعي المشاعر القومية التركية كونه جاء في أعقاب "جولة التفجيرات الثانية" التي ضربت تركيا قبل انتخابات الإعادة (في شهر تشرين ثاني/ نوفمبر)، وهي التفجيرات التي حملت "نفس البصمة" لـ "جولة التفجيرات الأولى" التي ضربت تركيا قبل انتخابات شهر حزيران/ يونيو.

على الأرجح، تلك التفجيرات (في الجولتين الأولى والثانية) كانت تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المزدوجة والمتعددة الغرض في المديين القريب والمتوسط، منها على سبيل المثال:

أولاً: في المدى القريب، التأثير على مخرجات أو نتائج الإنتخابات التركية، من خلال إيجاد دافع يؤثر على تصويت الناخب التركي لا يصب في مصلحة حزب العدالة والتنمية.

يمكن القول أن هذا الهدف قد نجح، نسبيًا، إلى أن يتم إفشاله بواسطة حصول حكومة حزب العدالة والتنمية على الـ (330) صوت في معركتها من أجل الدستور والنظام السياسي الجديدين، مع العلم أنه نجح، نسبيًا، في جولة إنتخابات حزيران.

ثانياً: في المديين القريب والمتوسط، التأثير سلبًا على الدور التركي الفاعل، نسبيًا، على المستوى الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بإستراتيجية إدارة النزاع السوري.

نسبيًا، هذا الهدف لا زال معلق، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية متحركة تشهد إعادة تموضع للمواقف والتحالفات السياسية والعسكرية، كما ذكرت في مقالة سابقة.

ثالثًا: في المديين القريب والمتوسط، زعزعة الإستقرار في تركيا، سياسيًا وعرقيًا، الذي من شأنه استنزاف جهد الحكومة التركية القادمة في قضايا وأزمات جانبية.

نسبيًا، هذا الهدف لا زال منتظر، كونه يعتمد على استراتيحية إدارة النزاعات المختلفة التي تواجهها، وستواجهها، الحكومة التركية القادمة، خاصة إستراتيجيتها في إدارة النزاع السوري وإدارة العملية السلمية مع الأكراد.

رابعًا: وهو الأهم، في المدى المتوسط، التأثير على الإستراتيجيات المختلفة لحكومة حزب العدالة والتنمية، خاصة استراتيجيتها المتعلقة في مشروع تركيا الجديدة 2023.

نسبيًا، هذا الهدف لا زال منتظر، كونه يعتمد على ما ذكر في النقاط السابقة، أو يعتمد على استراتيجية إدارة مرحلة "الخروج من عنق الزجاجة" (كما ذكرت في مقالة سابقة).

أخيرًا وليس أخرًا، أيضًا تأكيدًا على تلك المؤشرات (غير المطمئنة)، في الأغلب، لقد جاءت ردود الأفعال على نتائج الإنتخابات الصادرة عن بعض الأطراف الغربية بين "مشكك" و"ممتعض"، الذي أكده انتقادها "للضغوط الذي تم ممارستها على الناخب التركي"، وذلك بهدف زرع "بذرة التشكيك" في حكومة حزب العدالة والتنمية القادمة، محليًا وإقليميًا ودوليًا. كما تجنب بعض تلك الأطراف تهنئة الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، وهو الذي يشير إلى ان تلك الأطراف (بطريقة مباشرة أو غير مباشرة) "لن تتعايش"مع نتائج الإنتخابات التركية في المستقبل القريب.

الخلاصة: منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا، "الحرب" ضد نهضة تركيا لم تتوقف، ولن تتوقف في المستقبل القريب، وذلك لمنعها من تحقيق مشروع تركيا الجديدة عام 2023 (مشروع رؤية 2023)، وبالتالي منعها من أن تصبح "قوة عظمى" (وفقًا لفرضيات بعض الباحثين).

لقد أخذت تلك "الحرب" معارك وجولات عديدة، بين كر وفر، تنوعت في الشكل والأدوات والمضمون والأطراف.

السؤال هنا ليس إذا ما كانت تلك "الحرب" ستتوقف أم لا، فهي لن تتوقف على الأرجح في المديين القريب والمتوسط. وليس السؤال إذا ما سيكون هناك معركة جديدة قريبًا ضد تركيا، فالمعركة الجديدة قادمة بكل تأكيد. السؤال يجب أن يكون "ما هو توقيت المعركة القادمة، واستراتيجيتها، ومضمونها، ونوعها، وشكلها، وأطرافها في ظل سياق سياسي متحرك يشهد إعادة التموضع أو التخندق السياسي والعسكري للعديد من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، وكيف ستستعد حكومة حزب العدالة والتنمية القادمة (هي وحلفائها) لهذه المعركة القادمة...؟"

وهذا ما ستجيب عليه الأيام... والله أعلم

عن الكاتب

أنور عبد الله الرواحنة

باحث مختص في إدارة النزاعات ورسم السياسات


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس